bahoz_k@yahoo.com

جمهورية كردســــتان
وعاصمتها مهاباد


للدكتور إسماعيل حصاف
بتاريخ ٢٣ _ تموز _ ٢٠٠٥


جاءت ميلاد هذه الجمهورية الفتية إمتدادا لنضالات الشعب الكوردي في كـوردسـتان الشرقية في مرحلة مابين الحربين العالميتين وخلال الحرب العالمية الثانية . فقد شهد هذا الجزء من كوردستان كفاحا متواصلا من أجل الإستقلال ونيل

الأماني القومية ، وتشكل إنتفاضة أورمـية بقيادة إسماعيل آغا الشكاكي الملقب بـسمكو ١٩٢٠ ــ ١٩٢٥ ذروة الفكر الإستقلالي الكوردي المعبر عن النهضة القومية الهادفة إلى تشكيل دولة كوردية مستقلة . ولمدة عشر سنوات قاتل سيمكو كافة أشكال الإحتلال والسيطرة الأجنبية ، وأصبح زعيما كورديا بإمتياز يقود جزءا مهما من حركة شعبه التحررية ونجح في إقامة علاقات كفاحية وإستراتيجية مع ملك كوردستان شيخ محمود الحفيد في السليمانية عام ١٩٢٣ الأمر الذي يشير إلى تطلعات هذا الزعيم في إنشاء كوردستان الكبرى .

وعندما بات سمكو الشكاكي يشكل خطرا على المصالح القومية للشعب الإنكليزي في المنطقة , لجأت الدوائر الإنكليزية إلى شق الخلاف بين الكورد والآشور وإنتهت اللعبة بقتل الزعيم الآشوري مار شمعون , وهذه من أكبر الأخطاء التي أتهمت فيها إسماعيل آغا الشكاكي , حيث أستغلت هذه المسألة ضده . ومنذ أن تعين رضـا خـان شاهنشاها على إيــران عام ١٩٢٥ مارس سياسة الصهر القومي ضد الأقليات القومية في إيران وشن حملة عسكرية قوية ضد الشعب الكوردي , فلجأ سـمكو آغا إلى العمق الكوردستاني , حيث إتخذ من شمال روانـدوز ملجأ لقواته. وواصل نضاله محرزا الإنتصارات تلو الإنتصارات على القوات الإيرانية والعراقية والتركية إلى أن دعي في حزيران عام ١٩٣٠ إلى مدينة شـنو , للتفاوض مع الجانب الإيراني , حيث دبر قتله بمؤامرة خسيسة .

وفي سنة ١٩٣١ شهدت همذان إنتفاضة قادها جعفر سلطان هورامان . وشهدت كوردستان إيران منذ بداية الحرب العالمية الثانية تطورات سياسية وإجتماعية مهمة . ففي عام ١٩٤١ قاد شيخ حمه رشيد خان إنتفاضة تمكن من الإستيلاء على ولجأ بعد تعقيد الأمور لديه في عام ١٩٤٢ إلى كوردستان العراق . والحدث الأكبر هو تأسيس " كو مه له ى زيا نه وه ى كوردستان " Ziyanewey Kurdistan أي ( جمعية بعث كوردستان ) في ٦ من أيلول عام ١٩٤٢ كأول تنظيم سياسي كوردي وتركز نشاطها في مهاباد وتحول إسمها إلى البارتي الدمقراطي الكوردستانى في ١٥ آب ١٩٤٥ يتزعمه قاضي محمد .

دخلت قوات الحلفاء إيران في ٢٥ آب ١٩٤١ م لوضع حد للنفوذ الألماني في المنطقة, فقد سيطرت القوات السوفياتية على المناطق الشمالية بما فيها إقليمي كوردستان وأذربيجان , بينما سيطرت القوات الإنكليزية على ماتبقى من البلاد , ووقعت طهران تحت النفوذ الروسي. وتعود بنا هذا التقسيم إلى الإتفاقية الروسية ــ البريطانية في ٣٠ آب ١٩٠٧ التي نصت على وضع النصف الشمالي من إيران تحت سيطرة روسيا والنصف الجنوبي تحت سيطرة بريطانيا في حين ترك وسط البلاد تحت حكم الشاه. وأمام تدخل قوات الحلفاء تنازل الشاه عن العرش مجبرا لصالح إبنه الشاه محمد رضا عام ١٩٤١ الذي شكل حكومة موالية للحلفاء , والتي راحت توقع معاهدة تحالف مع الإتحاد السوفيتي وبريطانيا. نصت المعاهدة الثلاثية ١٩٤٢ الروسية ـ البريطانية ـ الإيرانية على أن وجود الجيوش الحليفة في البلاد لايشكل إحتلالا عسكريا , وعلى هذه الجيوش الإنسحاب من الأراضي الإيرانية في خلال فترة ستة أشهر من تاريخ إنتهاء الحرب

شكلت إيران كالجارة تركيا خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها منطقة صراع بين الدول الكبرى إلا أنه لم ينظر إلى االمسألة الكوردية كميراث الحرب العالمية الأولى التي حملت بذور الصراع إلى المستقبل . فالحلفاء في مؤتمراتهم خلال سنوات الحرب العالمية الثانية ١٩٤٣ ــ ١٩٤٥ ومابعدها كمؤتمر طهران ويالتا وبوتسدام , تجاهلوا كليا القضية الكوردية كمسألة مستقلة , وإن نظر إليها كانت نظرة شمولية كجزء من الكل لإعطاء الصبغة الشرعية على الإحتلال الإستعماري لكوردستان منذ الحرب الأولى . خلال سنوات الحرب توفرت مجموعة عوامل موضوعية وذاتية , داخلية وخارجية , ساهمت في إنشاء أجواء ديمقراطية . ففي منطقة النفوذ السوفياتي أعلن في عام ١٩٤٥ عن إنشاء جمهورية أذربيجان الديمقراطية المستقلة ذاتيا بقيادة جعفر بيشواري .

وأعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة قاضي محمد عن إنشاء جمهورية مهاباد الشعبية الديمقراطية الكوردية في ٢٢ من كانون الثاني عام ١٩٤٦ في الجزء الشمالي من كوردستان الإيرانية بعاصمته مهاباد , حيث إنحصرت السلطة الكوردية التي تشمل فقط ٣٠ % من المساحة الإجمالية لكوردستان الشرقية . وفي ٢٣ نيسان عام ١٩٤٦ م تم عقد معاهدة تحالف بين الجمهوريتين الدمقراطيتين الأذرية والكوردية .

قدمت الحكومة الإيرانية وبدعم المعسكر الغربي في ١٩ كانون الثاني عام ١٩٤٦ شكوى إلى هيئة الأمم ضد الإتحاد السوفياتي متهمة إياها بالتدخل في شؤونها الداخلية وعدم تنفيذ بنود معاهدة 1942 بالإنسحاب من إيران. وقد دعا مجلس الأمن الطرفين اللجؤ إلى المفاوضات لحل الخلاف . كان من نتيجة فشل الحكومة الإيرانية حل الخلاف مع القوات السوفياتية , إستقالة حكومة حكيم, وشكلت حكومة جديدة في ٢٧ كانون الثاني عام ١٩٤٦ برئاسة " قوام السلطنة " , عمد هذا الأخير إلى إستخدام الإسلوب السياسي لحل خلاف بلده مع موسكو , لذلك فقد مكث الوزير الجديد في العاصمة السوفياتية حوالي شهر , لكنه فشل في إقناع القيادة في الكرملين بسحب قواتها. عندئذ قدمت حكومة كل من طهران وواشنطن ولندن مذكرات إحتجاج إلى مجلس الأمن لعرض هذه المشكلة على بساط البحث . ويبدو أن الحكومة السوفياتية حققت في الخفاء نجاحا دبلوماسيا مع الأنجلو ـ سكسون من جهة ومع النظام الإيراني من جهة ثانية , حيث حصلت على موافقة الحكومة الإيرانية بالحصول على إمتيازات نفطية , لهذا فإن الجانب السوفياتي أعلن عن إستعداده للإنسحاب من الأراضي الإيرانية خلال ستة أسابيع شـريطة إمتناع مجلس الأمن عن مناقشة القضية .

وفي الوقت الذي إنسحبت القوات الروسية من منطقة نفوذها في إيران , فإن العلاقات الإيرانية ـ الأنكلو ـ سكسونية إزدادت وثوقا , إذ سمحت حكومة طهران للأنكلو ـ سكسون بإستعمال الأراضي الإيرانية قاعدة للعدوان على الدولة السوفياتية , فقد وقعت حكومة طهران معاهدة تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في ٢٠ حزيران من عام ١٩٤٧ م . ففي هذه اللعبة من الحرب الباردة بين القطبين , إنتصرت الدبلوماسية الغربية وبالتالي فإن تصفية جمهوريتي مهاباد وأذربيجان , كانت الهزيمة الأولى لروسيا في المرحلة الأولى من الحرب الباردة. وبإعتقادي كان بإمكان ستالين رفض الإنسحاب وحماية الإنجاز الديمقراطي في كوردستان وأذربيجان , لولا رضوخه للضغوطات الغربية وربما نتيجة إمتلاك الولايات المتحدة الأمريكية للسلاح النووي الذي لن تتورع عن إستخدامه في حال تعرض مصالحها للخطر , ولاسيما أن موسكو لم تمتلك القنبلة الذرية إلا في عام ١٩٤٩ م وفي هذه الأجواء بدأت المفاوضات بين قوام السلطنة رئيس الحكومة والزعماء السوفييت إنتهت بتوقيع معاهدة ٤ نيسان ١٩٤٦ والتي نصت على إنسحاب الجيش الأحمر من الأراضي الإيرانية وإنشاء شركة بترول إيرانية ـ سوفياتية .

باءت الدبلوماسية السوفياتية في هذه اللعبة السياسية بالفشل لأنها خسرت مواقعها الإستراتيجية دون أن تحقق أيضا مكسـبا إقتصاديا , إذ صوت المجلـس النيابي الجـديـد ضد إتـفاقية البترول مع الـسـوفيات بأغلبيـة ١٠٢ ضد صـوتين . وعندما تأكد قوام السلطنة من حقيقة الموقف الأنكلو ــ الأمريكي الداعم لإيران , وبإنسحاب القوات السوفيتية , فكر بتصفية الحركة الدمقراطية في البلاد والتنكيل بها بمساعدة القوات الأمريكية والإنجليزية . ففي العاشر من كانون الأول عام ١٩٤٦ وبأمر من رئيس الحكومة أحمد قوام تحركت القوات بإتجاه أذربيجان الإيرانية, حيث أعلنت الأحكام العرفية فيها وتصفية القوى الدمقراطية في المنطقة .

ومن ثم توجهت الحملات العسكرية إلى كوردستان الإيرانية , حيث أقمعت بوحشية الحركة الديمقراطية في كوردستان , وقضت على جمهورية مهاباد الكوردية بدعم بريطاني ـ أمريكي. وفي ٣١ آذار ١٩٤٧ أعدم وبشكل صوري رئيس الجمهورية قاضي محمد وشقيقه صدر عضو البرلمان الإيراني وإبن عمه سيف وزير الدفاع في الجمهورية وعشرات آخرون من قادة ومناضلي الكورد البررة . وعلى أثر سقوط جمهورية مهاباد الكوردية واصل البارزانيون بقيادة المناضل مصطفى بارزاني رئيس الأركان في حكومة مهاباد قتال القوات الإيرانية, وتعرضت قواعد وبيوت الأسر البارزانية بأمر من الشاه نفسه في آذار عام ١٩٤٧ إلى القصف الجوي والأرضي. ونجح البارزانيون في الإنتقال إلى كوردستان العراق , حيث إشتبكوا مع القوات العراقية التي كانت بإنتظارهم . وبعد أن أمنوا أسرهم في بارزان , إجتازت القوات الكوردية المؤلفة من خمسمائة مقاتل بقيادة مصطفى بارزاني الحدود التركية ومنها العودة ثانية إلى كوردستان إيران , حيث إشتبكت هذه القوات في رحلتها الأسطورية الصعبة مع قوات ثلاثة دول محتلة لكوردستان وهي القوات الإيرانية والعراقية والتركية وبعد أن نجحت في صد هجماتها ,إجتازت القوات الكوردية يقودهم المناضل المتمرس مصطفى بارزاني نهر آراس ليدخلوا الأراضي السوفياتية , ولم يعد الزعيم الكوردي إلى الوطن إلا بعد أن دعاه الزعيم عبدالكريم قاسم مؤسس الجمهورية الأولى عام ١٩٥٨ م .

شكل سقوط جمهورية مهاباد بهذا الشكل المأسوي بداية مرحلة تاريخية جديدة في النضال القومي الكوردي , حيث كرست سيطرة الدول القومية الجديدة على كوردستان , وإذا كانت حركة التاريخ تبين أن الحروب الشاملة على الأغلب تنتهي بإنشاء كيانات جديدة , فإنها بالنسبة للكورد أضيفت مآس أخرى إلى تاريخه , فالحرب العالمية الأولى إنتهت بتجزئة القسم العثماني من كوردستان إلى ثلاثة كيانات منتدبة والثانية إنتهت بالتآمر على الجمهورية الكوردية وتكريس سيطرة قوميات متخلفة غير حرة محكومة من قبل حكومات مستبدة على الكورد , الأمر الذي عقد حل القضية الكوردية إلى يومنا هذا .

إن جمهورية مهاباد الكوردية لم تعش سوى عشرة أشهر , لكنها تركت جرحا في صميم الشعب الكوردي . لقد كانت رغم عمرها القصير ثرية بإنجازاتها الحضارية والفكرية محققة خطوات إصلاحيةواسعة عملية في كافة المجالات السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية. فإليها يعود الفضل في إنشاء أول مسرح كوردي وإستعمال اللغة الكوردية في التعليم وجعلها اللغة الرسمية في الجمهورية وإنشاء جيش كوردي وإذاعة كوردية وتكوين نقابات مهنية و في إغناء الصحافة الكوردية والإصلاحات الزراعية والإدارية وفي إعطاء الدور للمرأة وتطوير الفن الكوردي وتحريك القضية الكوردية دوليا .... إلخ . لو كتب البقاء للجمهورية الكوردية لكانت اليوم مركزا حضاريا مشعا ومتقدما تتميز عن غيرها من دول المنطقة , ولكانت قد غيرت توازن القوى السياسية لصالح حركات التحرر وقوى السلام وشعوب المنطقة , ولكانت سندا قويا للمظلومين والمقهورين والمضطهدين من شعوب إيران التي ترزح منذ عقود تحت نير الآلة العسكرية المتسلطة ولكانت أخيرا وليس آخرا قد ساهمت وبشكل فعال في تحرير وإستقلال الأجزاء الأخرى من كوردستان .

ولكن وبدلا من ذلك فمازال الشعب الكوردي في هذا الجزء من كوردستان يتعرض إلى أبشع أنواع الممارسات العنصرية اللاإنسانية من قبل نظام الملالي القروسطي كسياسة ا لتغيير الديموغرافي وتغيير الأسماء الكوردية وممارسة سياسة التفريس والصهر القومي في بوتقة الثقافة الفارسية وعلى مبدأ قومية واحدة ولغة واحدة , في الوقت الذي لا يشكل العنصر الفارسي سوى حوالي ٤٠ % فقط من مجموع الشعوب الإيرانية ناهيك عن سياسة الإغتيالات التي تعودت عليها الحكومات الإيرانية المتعاقبة في التعامل مع المعارضة الديمقراطية والسير على مبدأ رفض الآخر

وتتحمل الولايات المتحدة البريطانية وبريطانيا العظمى وروسيا المسؤولية التاريخية فيما آل إليه وضع الشعب الكوردي .

وإذا كان يمكن إعتبار القرن العشرين مأساويا بالنسبة للشعب الكوردي , ففي الربع الأول منه جزء القسم العثماني من كوردستان إلى ثلاثة أقسام وفي منتصفه قتلت جمهورية مهاباد في مهدها, الأمر الذي أخًر الحركة السياسية الكوردية نصف قرن آخر.

وفي الربع الأخير منه صفيت إحدى أعظم الثورات التحررية في الشرق الأوسط وفي العالم وهي ثورة أيلول التحررية بقيادة الخالد مصطفى بارزاني .