الصفحة الرئيسية
تاريخ كردستان
اللغة والآداب الكردية
الكورد والحضـارة
الأمبراطورية الميدية
كركوك كوردية
خرائط كوردسـتان
bahoz_k@yahoo.com

تـاريـخ كـوردسـتان

منشأ الكرد وتاريخهم

كانت المعلومات التاريخية التي ذكرها المؤرخ اليوناني " أكسنيون " في كتابه عن تقهقر العشرة آلاف يوناني سنة ٤٠١ قبل الميلاد من بلاد العجم الى الشمال، متضافرة على ان الكرد من أحفاد الكاردوكيين الذين اعترضوا سبيلهم وقاوموهم أشد مقاومة. واستمر هذا القول سائداً الى ما قبل نصف قرن، غير أن تقدم المباحث التاريخية والحفريات في السنين الأخيرة قد أظهر أقوالاً أخرى في منشأ الأكراد وأثبت أنهم أقدم من اليونانيين بزمن طويل.

فمن ذلك أنه في فجر التاريخ كان يسكن الجبال المشرفة على سورية أمة تدعى " جوتو ". وجوتو معناها إذا ترجمت الى اللغة الآشورية بـ كاردو، وقد استعمل استرابون نفس هذا التعبير لتوضيح اسم كارداك الوارد في خريطته التي عملها سنة ٦٠ قبل الميلاد.

وكان هؤلاء الجوتو على جانب عظيم من المدنية إذ وجدوا لهم مجالاً كبيراً لنشر حضارتهم بين الأمم المعاصرة لهم كالعيلاميين والحثيين والبابليين بالخط المسماري.

وقد أثبتت مباحث علمي الأنتروبولجيا والاتنولوجيا بالأدلة العلمية القطيعة، ان الكرد من الآريين وان هؤلاء الآريين قدموا هذه الجبال في عهد ما قبل التاريخ واندمج سكانها الأصليون فيهم بفعل الزمان والحضارة التي أحدثوها بها. فالخلاف الان بين العلماء منحصر في الزمن الذي قدم به هؤلاء الآريون الى هذه البلاد، ومن أين قدموا. وأحدث النظريات في هاتين المسألتين هي أنهم قدموا اليها ما قبل التاريخ من جهة اسكانديناويا.

ومهما يكن زمن الهجرة ومكانها، فالذي لا يقبل الجدل ولا يتسرب اليه الشك بوجه من الوجوه هو ثبوت الحقيقتين التاليتين ثبوتاً تاماً في نظر العلماء الأخصائيين في علم الأجناس البشرية والأنساب:

١ ـ أن الكرد أمة من الأمم الآرية ومن ذريتهم الخالصة.
٢ ـ أن الكرد قدموا الى البلاد التي يسكنونها الآن منذ فجر التاريخ. وقد حافظ الكرد على استقلالهم طيلة مدة الامبراطورية الآشورية، غير أنهم اتفقوا مع المـيديـن الذين استولوا على نينوى وقوضوا أركان الامبراطورية المذكورة. فاضطروا اخيراً للخضوع الى قيروش الذي افتتح بابل، حتى انهم قدموا الى خلفاء هذا الفاتح جيشاً كردياً مرتباً.

وأن أبا التاريخ هيرودوت اليوناني الذي يذكر العناصر المكونة لجيوش اكسيرس قد ذكر الجيش الكردي المذكور بهذين الاسمين: ساسبيرين، الاردينز، في حين ان المؤرخين الايرانيين يذكرونهم باسم كورداه.

ولا يظن القارىء ان الجوتو هم أصل أكراد الشمال والشمال الغربي فقط بل أكراد الجنوب والجنوب الشرقي ايضاً. لأن المدنية التي قامت في جهة كرمنشاه وهمذان هي من نوع المدنية التي خلفتها الجوتو في الشمال في كاردوكيا وميدية وفي آشورية ايضاً وذلك لأن قبيلة الكلهر الحالية تعتقد ـ وتؤيدها الآثار التي وجدت في بلادها ـ أنها من نسل " جودرز ". وهذه الكلمة تترجم بزعيم الجوتو كما ان الجوران " كوران " يعتقدون انهم من ذرية " جودرزين كيو " ، الذي كان له ابن يسمى " رحام " أرسله بهمن الكياني لتخريب القدس وأسر اليهود.

ورحام هذا هو الذي اشتهر في الكتب العربية ببخت نصر الذي تولى العرش فيما بعد، وسمي من خلفوه من سلالته من الملوك بالجوران. ومنقوش على بعض الاحجار في بيستون بقصر شيرين أن " جودرز بن كيو " هذا كان شخصاً حقيقياً.

فعلى كل حال أن الأمة الكردية الحالية بشعوبها الأربعة، كرمانج، كوران، لور، كلهر، من أقدم الأمم الآرية التي أنشأت حضارة زاهية في هضبة ايران والبلاد المحيطة بها. وبذلك سادت على سائر أخواتها من القبائل الآرية الأولى وأصبحت لغتها الكردية لغة عامة تتكلم بها جميع تلك القبائل والأمم، في الأمبراطورية الممتدة من منابع دجلة والفرات، لغاية خليج فارس. وكانت عاصمة هذه الأمبراطورية " آكباتان " في جهة كرمنشاه، وسميت هذه اللغة حينئذ بلغة الهلوان أو البهلوانان أي لغة الأبطال. ولا شك في أن هذه مترجمة عن كلمة الجوتو أو الجاردو بمعنى المحارب والبطل.

ويؤيد هذا ايضاً معنى كلمة البطل في الفارسية هو " كرد " كما ورد في كتاب شهنامة للفردوسي. كما انه لا يزال بين القبائل الكردية في كل انحاء كوردستان اعتقاد عام بأن لفظ الكرد لم يطلق على هذا الشعب إلا لفرط الشجاعة والبسالة اللتين امتاز بهما في كل أدوار التاريخ.

وهناك دليل آخر على أن الكرد من الأقوام الآرية القديمة وهو أن الدين الوطني الرسمي في كوردستان لغاية انتشار الاسلام كان " دين زردشت " الذي لم يعرف إلا بين الأقوام الآرية، إذ كان ديناً وطنياً عاماً بين الآريين قاطبة. وبالرغم من مرور عصور مديدة على انقراض هذا الدين، فلا يزال يوجد في أنحاء كوردستان من هم متمسكين به ويبلغ عددهم نصف مليون شخص.

وقد انتشر الاسلام في كوردستان على يد خالد بن الوليد وعياض بن غنم الصحابيين الشهيرين. ولا يفوتنا أن نذكر ان الكرد بذلوا بعد ذلك مهجاً ونفساً في سبيل المحافظة على الاستقلال والحرية اللذين يعشقونهما بالفطرة، حتى في زمن العباسيين. فمن ذلك حصلت معارك دموية في كوردستان الشمالي في سبيل الاستقلال في سنتي ٨٨٨ و ٩٠٥١ م. ولا ريب في أن العصر الذهبي للأكراد في القرون الوسطى هو عصر السلطان صلاح الدين الايوبي مؤسس الدولة الكردية الاسلامية في أكثر بقاع الشرق الادنى من الأقطار والمماليك، أي الممتدة من جنوبي القفقاس الى صنعاء اليمن شمالاً وجنوباً، ومن وادي دجلة الى طرابلس الغرب شرقاً وغرباً.

في عهد اجتياح التتر والمغول البلاد الاسلامية من الشرق الى الغرب وتدميرهم معالم الحضارة والمدنية، اجتيحت البلاد الكردية كسائر الحكومات والبلاد الاسلامية، وخاضوا معارك دموية ضارية ضد هؤلاء الغزاة والحقوا بهم خسائر جسيمة وردوهم على اعقابهم وحافظوا على استقلالهم الداخلي.

ثم استولى الايرانيون على كرمنشاه واطرافها وضموها الى بلادهم، إلا ان القسم الأكبر من كوردستان كان مقسوماً بين الامارات الوطنية، التي كانت تحتفظ بكيانها القومي تارة، وباستقلالها الداخلي تارة آخرى، بالرغم من استيلاء بعض الدول الكبيرة عليها.

وقد استمرت هذه الحالة الى ان اعلن السلطان سليم التركي الحرب على الشاه اسماعيل الصفوي، وانضم الأمراء الأكراد الى السلطان سليم. فمن ذلك اليوم بدأ كوردستان يفقد استقلاله شيئاً فشيئاً.

بالرغم من أن كلا من الأمة الكردية والأمة الفارسية، من الآريين وأنهم من سلالة واحدة، وبالرغم من أنهم كانوا أبناء دين واحد قبل الاسلام وهو دين " زردشت " واخواناً في الدين بعد الاسلام ايضاً، فقد أدى ظهور اختلاف مذهبي بين هاتين الأمتين المسلمتين المتحدتين في الجنس والسلالة، وأعتناق أكثرية الأمة الفارسية الشيعة مذهباً رسمياً لها، وبقاء أكثرية الأمة الكردية على مذهب السنة، أدى ذلك الى نفور طائفي بينهما في العصر الذي كانت العواطف الدينية تسود كل البلاد فيه، وتفوق على كل العواطف البشرية الاخرى. ولم يكن خافياً قط على احد أنه إذا أثيرت عواطف الأكراد الدينية ضد الشاه اسماعيل الصفوي الشيعي، واستميلت قلوبهم الى السلطان سليم السني، فلا شك في أنهم سينضمون الى الأخير ويزحفون على الاول بكل حرارة وأخلاص.

وان السلطان سليم الأول الذي أدرك اهمية هذه النقطة قد بادر وهو لا يزال في معسكر " أماسية " الى ارسال علامة العصر الحكيم أدريس البدليسي الذي كان استصحبه معه لقضاء مهام المور، الى أمراء كوردستان الذين يعرفهم حق المعرفة ويعترفون له بالفضل والعلم.

وهكذا كان هذا العالم سبباً في نجاح قضية سليم الأول ضد الشاه اسماعيل الصفوي، بفضل ما له من نفوذ لدى الأمراء الأكراد، والاطلاع على عادات الأكراد واخلاقهم. وقد انضم هؤلاء الأمراء بأجمعهم الى السلطان سليم في معركة جالدران الشهيرة وكانوا السبب في إنزال هزيمة منكرة بجيش الشاه اسماعيل الصفوي.

وتعتبر هذه الواقعة المهمة في التاريخ التركي فاتحة انتشار نفوذ الترك العثمانيين في آسيا الوسطى، كما ان نيلهم لقب الخلافة باستيلائهم على مصر الذي جعل لهم كلمة في العالم الاسلامي، هو احدى نتائج هذه المعركة القاسية ايضاً.

وبعد انتهاء هذه المعركة وتمام الانتصار للاتراك، عقدت بفضل مساعي هذا العالم المخلص للسلطان معاهدة بين أمراء كوردستان وبين سليم الأول، مفادها ترك الادارة في كوردستان للأمراء الذين يتوارثون الإمارة، كل في إمارته، حسب القوانين والعادات القديمة. وليس عليهم إلا ان يقدموا جيوشاً مستقلة بادارتهم الى الدولة حينما تشتبك مع احدى الدول الكبيرة في حرب، وان يدفعوا لخزينة الدولة مبلغاً من المال في كل سنة. وهكذا أذعن كوردستان للسيادة العثمانية بموجب هذه المعاهدة، وأصدر السلطان سليم فرمانات مصدقة بأحكام هذه المعاهدة وبتوزيه الهدايا والخلع على الأمراء ورجال الدين. وقد خص الحكيم أدريس البدليسي هذا بهدية عظيمة مع مرسوم سلطاني يعرب فيه عن عواطفه نحو الشيخ، ويخلع عليه ثماني كساوى من التشريفة الكبرى وسيفاً نادراً مقبضه من الذهب الخالص.

فهذا العهد من التاريخ يعتبر مبدأ سعادة الترك وانتشار نفوذهم في آسيا والعالم الاسلامي، كما أنه مبدأ سقوط كوردستان تحت حكم الاتراك، وتوالي النكبات القومية والمصائب الاجتماعية على كوردستان والشعب الكردي البائس الى يومنا هذا.

إعداد رابطة كاوا للثـقافة الكردية





اللغة والآداب الكردية


اللغة الكردية هي كسائر اللغات الآرية الشرقية متفرعة من البهلوية والسنسكريتية والميدية. وكانت هذه اللغة تكتب قبل الاسلام من الشمال الى اليمين بابجدية مستقلة، لها شبه عظيم بالأبجدية الآشورية والأرمنية. وقد تركت هذه الأبجدية بعد الاسلام اكتفاء بالأبجدية العربية التي هي لغة القرآن المبين.

واللغة الكردية الحالية تنقسم الى أربع لهجات مختلفة، وهي الكرمانجية والصورانية واللورية والكهلرية. فأقرب هذه اللهجات الى البهلوية هي اللورية، نظراً لقرب مكان الألوار من مركز البهلوية الأولى، ولعدم تأثرهم كثيراً من الكلدان والآشوريين. وتليها في القرب الكهلرية الصورانية ثم الكرمانجية، إلا أن الأخيرتين تأثرتا كثيراً من اللغتين الآشورية والكلدانية لمجاورتهما لهما.

ولتوضيح هذه المسألة، ننقل هنا خلاصة ما كتبه صاحب جغرافية ملطبرون منذ أكثر من مائة سنة في بيان معنى كلمة ـ ايران، يران، حسبما هو شائع في الشرق أو " ايرانة، آريانة " ، كما هو معروف في الغرب، وفي تطور اللغات الايرانية التي استعملت بين الأمم الايرانية ذات المدنيات الكبيرة فقال:

" ان الأقدمين كانوا يفرقون بين الآريين والاسقوثيين " التتار " كما كانوا يميزون بين كلمة " توران وايران " ، حيث وجد مكتوباً على مباني صخرية كلمة " آريانة " وهي عين اسم " آريان " الذي كان معروفاً لليونان. إلا أن بعض العلماء من اليونان لم يكونوا يطلقون هذا اللفظ إلا على شرقي ايران الحالية، خراسان وأفغان، ولكن هيرودوت نص على عموم اطلاق لفظ ايران على جميع البلاد الواقعة بين نهر السند، وبين وداي دجلة والفرات شرقيها وغربيها، لأن أهل ميدية ايضاً كانوا يسمون آريين بلا شك ".

وان أقدم لغات آريانة هذه هي لغتا الزند والبهلوان. أما اللغة الزندية فكانت لسان الكتب الايرانية القديمة المسماة بزنداوستا، حيث كانت تسود هذه اللغة المناطق الشمالية من هضبة ايران ابتداء من غربي بخارى الى أذربيجان، ولا تزال هذه اللغة مقدسة عند المجوس في هذه العصور الأخيرة كلغة السنسكريت التي هي مقدسة عند علماء الهنود. ويؤيد هذا بأن بين هاتين اللغتين القديمتين كثيراً من الأصول المشتركة.

وأما اللغة البهلوية أي لغة الأبطال والمحاربين، فالظاهر انها كانت مستعملة في العراق العجمي وميدية الكبرى وعند البرثة أيضاً " مقاطعة فارس " ، وذهب بعضهم الى ان هذه اللغة هي اللغة الوحيدة التي كانت تستعمل في قصور ودواوين الملوك الذين هم من نسل قيروش. نعم إن فيها كثيراً من الكلمات الكلدانية والآشورية بفعل الجوار والسلطان. ثم أن كتب المجوس ترجمت من القديم من الزندية الى البهلوية. وتوجد بهذه اللغات ايضاً كتابات منقوشة من عهد الساسانيين. وهذا دليل على انها كانت مستعملة في الدواوين بعدهم ايضاً، إلا انهم رفضوا تدريجياً ابتداءً من سنة ٢١١ الى سنة ٦٣٢ م استعمال لغة البهلويين الذين ورثوهم في المجد والحضارة. فذهبوا الى جبل البرثة وادخلوا في جميع البلاد الايرانية الخاضعة لهم حينذاك بأوامر ملكية وقوانين صريحة اللغة الفارسية أي لهجة اقليم فارس " مقاطعة شيراز الحالية " ، وحقاً أن هذا أسهل من البهلوية كما ان هذه اسهل من الزندية.

ولما استولى العرب على البلاد الايرانية كلها وقضوا على دولة فارس بها في القرن السابع ميلادي، فقدت هذه اللغة بهجتها ورونقها. وفي سنة ٩٧٧ م في عهد الديالمة لما أرادوا احياء احدى اللغات الايرانية القديمة ذات المدنيات الزاهية، وقع اختيارهم على أقربها اليهم عهداً وأحدثها نشوءاً وهي لغة فارس السابق ذكرها، إلا أنهم وجدوها قد تغيرت احوالها واندسرت معالمها باختلاط كثير من الكلمات العربية وغيرها من اللغات المجاورة بها، ولكن الشعراء وأرباب الخطابة والبيان انتخبوا من هذه اللغة وغيرها من اللغات الايرانية القديمة مثل الزندية والبهلوية ـ الكردية القديمة ـ، لهجة سهلة الألفاظ كثيرة المعاني عذبة الأصوات فسموها باللغة الفارسية الحديثة وهي الشائعة الآن في بلاد فارس.

فيتخلص من هذا كله أن الأمة الكردية من أقدم الأمم الايرانية التي أسست حضارة زاهية في هضبة ايران الكبرى، فأمتد سلطانها من وادي السند شرقاً الى وادي دجلة والفرات غرباً، وأن لغتها الكردية سادت باسم اللغة البهلوية او البهلوانان، أي لغة الأبطال والمحاربين، في جميع الأمبراطورية الايرانية الأولى التي قضى عليها الاسكندر المكدوني، حيث عقبتها بعد مدة يسيرة دولة ملوك الطوائف، الذي يقال لهم في التواريخ الفارسية الاشكانيون، وهم الذين كانوا يتنازعون السيادة الايرانية العليا حيناً من الدهر، الى أن تغلب على الجميع ملك اقليم فارس، فأسس امبراطورية فارس ثانية دعيت فيما بعد بالساسانية. وأصبحت كلمة فارس مترادفة مع كلمة ايران، تطلق على كل ما هو ايراني قديماً كان أو حديثاً، مما أدى الى وصف الامبراطورية الايرانية الأولى ايضاً بالفارسية مع أنها كردية بهلوية. لأن الأمة الفارسية مع عراقتها في الحضارة الايرانية والمجد الفارسي أحدث عهداً من شقيقتها الأمة الكردية التي سبقتها في تأسيس الحضارة الايرانية الأولى.

هذا وقد كتب أكثر الأدباء والعلماء الأكراد مؤلفاتهم بعد الاسلام في الفنون والعلوم بغير لغتهم، كالفارسية والعربية والتركية أخيراً. ومع هذا هناك عدد غير قليل منهم لم ينسوا لغتهم الوطنية ايضاً من ثمار قرائحهم ونتائج افكارهم فخلفوا لنا مخطوطات كردية كبيرة في مختلف الفنون والمعارف.

وهنا نكتفي بذكر اسماء بعض المشاهير من الأدباء الذين ألفوا باللغة الكردية:

على الحريري، من بلدة حرير القريبة من أربيل.
ملاي جزيري، من جزيرة بوطان.
فقيه طيران، من بلدة مكس.
ملاي باطي، من قرية باطة وهي من قرى حكاري.
أحمد خاني، من مدينة بايزيد.
اسماعيل خاني، من مدينة بايزيد.
شريف خان، وكان من امراء حكاري، وهو من بلدة جولمرك.
مراد خان، من قرية بايزيد.
على الترموكي، وهو من قرية واقعة بين حكاري ومكس.
ملا يونس الهلكاتيني، وهو من قرية هلكاتين.

إعداد رابطة كاوا للثـقافة الكردية





جوانب من بعض مساهمات الشعب الكردي في الحضارة

بقلم :فارس عثمان

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن الشعوب القديمة عموما، كانت تسمى بأسماء المواقع الجغرافية التي تشغلها، وكانت التسميات التي تطلق على سكان منطقة ما تصدر عن أقوام غير أقوام المنطقة الأصليين، لذلك لم تكن هذه التسميات متطابقة تماما مع اسمهم الأصلي أو اسم المنطقة التي جاءوا منها.

وينطبق هذا الأمر على الشعب الكردي أيضا، فقد أُطلق اسم الكرد أول الأمر على منطقة جغرافية محددة، ثم أصبح لقبا لسكان تلك المنطقة، وقد وردت برسوم مختلفة، وحسب لفظ أو كتابة الشعوب المختلفة لتلك التسمية: فقد كان الكرد لدى السومريين معروفين باسم " كوتي – جوتي – جودي " ، ولدى الآشوريين والآراميين " كوتي – كورتي – كارتي – كاردو – كارداكا – كاردان – كارداك – كاركتان " ولدى الفرس " كورتيوي – سيرتي – كورد راها " ولدى اليونان والرومان " كاردوسي – كاردخوي – كاردوك – كردوكي – كردوخي – كاردويكاي " ولدى الأرمن " كورجيخ – كورتيخ – كرخي – كورخي " ، ولدى العرب " كردي – كاردوي – باكاردا – باقاردا – كارتاويه – جوردي – جودي ".

وأقرب التعاريف إلى الدقة والموضوعية للشعب الكردي هو رأي المؤرخ الكردي محمد أمين زكي الذي استند بدوره على آراء مجموعة من الباحثين أمثال مينورسكي، سيدني سميث، سبايزر، وإلى الإشارات المتفرقة في تواريخ وآثار شعوب المنطقة فيقول:

(إن الشعب الكردي يتألف من طبقتين من الشعوب، الطبقة الأولى التي كانت تقطن كردستان منذ فجر التاريخ " ويسميها محمد أمين زكي " شعوب جبال زاغروس " وهي شعوب " لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري " وهي الأصل القديم جدا للشعب الكردي.

والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو – أوربية التي هاجرت إلى كردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كردستان مع شعوبها الأصلية وهم " ميد، ماد، كاردوخي " ، وامتزجت مع شعوبها الأصلية ليشكلا معا الأمة الكردية).

تعريف الحضارة: الحضارة هي نتاج الفكر في مختلف ميادينه، سواء أكان مجردا أم ملموسا، وقد ارتبط ظهورها بمعرفة الإنسان للزراعة وعمله بها.

ومن هنا جاءت تسميتها نسبة إلى الحاضرة: (وهي أي مكان تقيم به مجموعة من السكان). وبهذا تختلف عن البداوة والبادية. وكلمة حضارة التي نستعملها في " تاريخ الحضارة " نقصد بها كل ما ينشأ عن تفاعل الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، أي كل ما يتعلق بحياة الشعوب من نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية وفنية، وهي في هذا المعنى تشمل دراسة جميع نواحي الحياة البشرية وتطورها.

والحضارة ليست من صنع الفرد الواحد، إنما يصنعها المجتمع البشري، أو بالأحرى المجتمعات المدنية، لأن اجتماع البشر وتضافر جهودهم وتراكم إنتاجهم ومخلفاتهم وتفاعلهم مع البيئة، أساس لنشوء الحضارة وتطورها.

فعمر الفرد محدود، بينما عمر المجتمع والحضارة طويل، وهما دائمان ويتطوران باستمرار، وهذا التطور ليس عملية نمو وتقدم مستمر ومتصل، بل إن الحضارة قد تقوم في مناطق معينة، وفي فترات معينة لا تلبث أن تنهار إما مؤقتا لتظهر من جديد بعد حين، أو تتلاشى نهائيا، أو لترث قيمها الحضارية الإبداعية حضارة أخرى، أو تبدل فيها وتطورها.

هكذا تكون الحضارات الإنسانية في تغير دائم ومستمر، ولا شيء يدل على توقفها أو جمودها، فهي تسير بخطوات متتابعة، قد تكون وئيدة أحيانا، ولكنها سائرة على كل حال. وبذلك تكون الحضارة صورة الحياة البشرية المرسومة على لوحة الزمن، وهي لا تقتصر على شعب أو عرق معين، وإنما لكل شعب حضارته الخاصة، التي قد تختلف أو تتشابه ببعض ألوانها مع حضارات الشعوب الأخرى، وتختلف بدرجة رقيها وتطورها، تؤثر وتتأثر ببقية الحضارات لتساهم في بناء وتطوير الحضارة الإنسانية.

أما مظاهر الحضارة فهي: المظهر السياسي والإداري – المظهر الاقتصادي – المظهر الاجتماعي – المظهر الديني – المظهر الفكري – المظهر الفني… ولها كذلك شروط داخلية كالمناخ المعتدل والتربة الخصبة وتوفر المياه والموقع الجغرافي، وهناك بعض الشروط الخارجية التي قد تكون سلمية عن طريق الاقتصاد من خلال التجارة والهجرة والاختلاط أو حربية عن طريق الغزو والفتح والحكم الأجنبي، وتكون نتائجها إما سلبية كغزوات التتر والهون، وأحيانا إيجابية كالغزو الأوروبي لبعض المناطق. جوانب من بعض مساهمات الكرد في الحضارة في عصور ما قبل التاريخ شهدت كردستان كغيرها من عدة مناطق في العالم " جنوب بلاد الرافدين، وادي النيل، جنوب الهند، الصين " ظهور الإنسان البدائي الذي يعود ظهوره إلى حوالي مليون عام ق.م. وقد ساعد على ذلك طبيعة كردستان الجبلية والهضاب والسهول المنتشرة فيها إلى جانب خصوبة التربة ووفرة مصادر المياه من أنهار وينابيع وأمطار والمناخ الملائم وكثرة النباتات والأعشاب والأشجار البرية، وقد مرت هذه الفترة بثلاثة أطوار:
أ – في مرحلة جمع والتقاط القوت: تدل المكتشفات الأثرية في كهف شانيدر " ١٣ كم غرب السليمانية " على أن إنسان العصر الحجري القديم قد عاش في كردستان " إنسان نياندرتال " وقد اكتشفت في الكهف الفؤوس الحجرية والمقاشط الحجري، وجلود بعض الحيوانات التي توحي بأن إنسان نياندرتال كان يرتديها.

ب – مرحلة الصيد من حوالي ١٠٠٠٠ – ٤٥٠٠ ق.م.: في هذه المرحلة ازداد عدد السكان في كردستان، تدل على ذلك كثرة الكهوف الموجودة في كردستان التي تعود إلى هذه الفترة، وتم فيها اكتشاف النار والاعتماد على الصيد في تأمين الغذاء والسكن في الكهوف، واكتشف في بعض كهوف كردستان بعض الفؤوس والأدوات الحجرية الأكثر تشذيبا وبعض النصال وعرف تدجين بعض الحيوانات كالكلاب والثيران والماعز.

ج – مرحلة الزراعة والاستقرار من عام ٤٥٠٠ – ٣٢٠٠ ق.م.: في هذه الفترة التاريخية تغيرت الظروف المناخية، وانقرضت بعض أنواع الحيوانات الضخمة، وتناقصت أعداد الحيوانات فظهرت الحاجة إلى الاعتماد على مصدر ثابت للرزق فتم الانتقال إلى مرحلة الاستقرار والزراعة، والتي تعرف بالمرحلة الحضارية.

وفي هذه المرحلة ظهرت المستوطنات الزراعية بكثرة في كردستان، وهي قرى مبنية من الطين والحجارة والأخشاب، أساسها من الحجارة وجدرانها من اللبن وسقفها من الخشب وبعضها من القصب والخشب، وهي مطلية بالطين من الداخل والخارج، وتتألف البيوت من غرف متداخلة لها طاقات للتهوية ومواقد للتدفئة، واحتوت بعض المستوطنات معابد دينية ضخمة ولبعضها أسوار حجرية محاطة بالخنادق وهناك أكثر من " ٥٠ " موقع أثري يعود إلى هذه الفترة، وأقدم مستوطنة بشرية اكتشفت حتى الآن هي مستوطنة " نيفالي تشوري " في وادي الفرات، " وفيها اكتشف تمثال لأقدم إله. واكتشف في بعضها أدوات منزلية تدل على رقي حضاري بالنسبة لتلك الفترة كالملاعق العظمية والإبر، وأقراص المغازل الصوفية التي تدل على معرفتهم طريقة صنع الألبسة، والمناجل ذات المقابض العظمية، والمحراث المبذار، وأحجار الرحى والمساحق والمدقات لدق وطحن الحبوب.

أما أهم المحاصيل التي زرعها الكرد في هذه المرحلة أو التي عرفها الكرد فهي: القمح الأحادي والثنائي والقزمي، والشعير والحمص والعدس والكرسنة والكتان، وتم استنباط القمح الطري إلى جانب تدجين الأغنام والماعز والثيران والخنزير البري والحمير. إضافة إلى تدجين الكلاب التي دجنت في مراحل سابقة.

واكتشف النحاس وتم استخدام صفائحه في الأدوات العامة كالأسلاك والإبر والمخارز وأدوات الزينة إلى جانب صناعة الفخار العادي والملون والأختام الاسطوانية التي انتشرت بكثرة في كردستان. وباختراع الكتابة حوالي عام ٣٢٠٠ ق.م. وتدوين التاريخ البشري، تعرفنا على أسماء الشعوب التي استوطنت كردستان منذ فجر التاريخ " شعوب جبال زاغروس " والتي لعبت مع الشعب الميدي دورا متميزا في إغناء حضارة منطقة غرب آسيا.

فقد أسست هذه الشعوب دولا عرفت باسمها، كدولة لولو في منطقة السليمانية حاليا، ودولة كوتي، كورتي في منطقة كركوك والزاب الصغير، والدولة الكاشية التي سيطرت على معظم كردستان ووحدت بلاد سومر وأكاد وعرفت بدولة كاردونياش وحكمت بلاد الرافدين زهاء أربع قرون من عام ١٥٩٥ – ١١٦٢ ق.م. والدولة الحورية " الهورية " التي امتدت من جبال زاغروس حتى نهر الخابور، والدولة الميتانية التي نشأت أول الأمر في شمالي الجزيرة وامتدت من بحر قزوين حتى جنوب فلسطين، عاصمتها واشوكاني – رأس العين – وكانت إحدى أكبر دول العالم في تلك الفترة إلى جانب الدولة المصرية، كاردونياش، والدولة الحثية.

أما الامبراطورية الميدية وعاصمتها أكباتان فقد سيطرت على معظم كردستان وإيران حتى قرب أنقرة حاليا، وقد حكمت بعض الأسر الكردية بلاد سومر وأكاد والمملكة الآشورية لفترات مختلفة من الزمن.

وكان لهذه الدول تأثير حضاري على الشعوب المجاورة لهم كالعيلاميين والأرمن وشعوب بلاد الرافدين. فقد نقل الملك الآشوري (آشور ناصر بال) قسما كبيرا من شعب لولو الذي كان على جانب عظيم من إتقان الصناعات والفنون إلى المدن الآشورية، لتقوية روح الفنون والصناعات ونشر المدنية في المدن الآشورية، وسيطر شعب سوبارتو على التجارة البرية بين شرق إيران وآسيا الصغرى وسوريا، وتدل الوثائق التاريخية أنه كانت لهم شركات تجارية خاصة للتجارة بالنحاس والقصدير والأقمشة والجلود والزيوت.

أما الشعب الكاشي أو كاردونياش، فقد كان تأثيره واضحا على معظم بلاد الرافدين من خلال تطوير نظام الزراعة واستخدام محراث حديث ومتطور لحراثة الأرض وبذر البذار في آن واحد، وهم أول من أدخل الخيول والعربات إلى بلاد بابل وبذلك دخلت عادة ركوب الخيل إلى بلاد بابل وسهولها، ومن ثم استخدامها في الحروب والمعارك، كما أنهم اخترعوا التقويم المتسلسل زمنيا حسب سنوات حكم الملوك، بدلا من التأريخ حسب السنوات الهامة أو الكوارث، وقد استمرت هذه الطريقة حتى دمار بابل، كما استخدموا لأول مرة الحجارة لتحديد حدود الأراضي الزراعية وحدود دولتهم وأصبح ذلك تقليدا فيما بعد واستخدموا المقاييس الدقيقة لقياس مساحات الأراضي والأوزان والأطوال والأحجام، وقد ساهموا في تطوير وبناء المعابد الضخمة والزقورات الفلكية التي يصل ارتفاعها أحيانا إلى ٦٠ مترا.

ويعتبر معظم المؤرخين أن الهوريين والميتانيين شعب واحد، وكان لهذا الشعب بصمات واضحة أولا في نقل حضارة جنوب بلاد الرافدين إلى سوريا وفلسطين، ومن ثم التأثير على معظم الأقوام في آسيا الصغرى وسورية وفلسطين، من خلال فن صنع الأختام وبناء البيوت، فقد كانت منازلهم مزودة بالحمامات والمرافق الصحية وبمخازن مختلفة لتخزين القوت، وهم أول من أدخلوا الخيول والعربات ذات العجلتين إلى مصر، وتدل كثرة المدارس المكتشفة في شمال سورية التي تعود إلى عهدهم إلى اهتمامهم بالتعليم، وقد وجدت قواميس هورية – سومرية وهورية – أكادية لتسهيل الكتابة والقراءة وكانت لهم علاقات طيبة مع مصر ازدادت صلابة بزواج الفرعون آمينوفس الثالث من الأميرة تادوخيا ابنة الملك الميتاني " توشراتا " والتي تزوجت بعد وفانه من الفرعون أمينوفس الرابع " أمنحوتب الرابع " الملقب بأخناتون، وقد عرفت الأميرة تادوخيا في التاريخ باسم نفر تيتي واشتهرت بقوة شخصيتها وتأثيرها الكبير على أمنحوتب الرابع وثورته الدينية.

وقد أشاد معظم المؤرخين، هيرودوت، سترابون، بلوطرخس، بتقدم الميدييين في مجال الصناعة والهندسة، إذ يذكر سترابون أن الملك الأرمني ديكران كان يعتمد على الميديين ويستفيد منهم خاصة في الشؤون الفنية والعمرانية، وتشير معظم المصادر التاريخية إلى رقي وتطور الدولة الميدية وحالة البذخ والترف الذي ساد بين سكانها وطمع الشعوب المجاورة بثرواتها.

وبعد انهيار الدولة عام ٥٣٩ ق.م. على يد كورش حافظت على اسمها مرتبطا بالامبراطو رية الفارسية التي سميت الامبراطورية الإخمينية الميدية، وأطلق المؤرخون على الحروب التي قامت بين الفرس واليونان اسم الحروب الميدية، وكان تأثير الميديين على الفرس جليا في مجالات عدة إذ اقتبس الفرس منهم أبجديتهم المكونة من ٣٦ حرفا واستخدموها في الكتابة، وطريقتهم في إدارة الدولة وأسماء الشهور والأيام التي كانت زردشتية، وتم الاحتفال بأعيادهم كعيد النوروز، وعيد المهرجان في ٢٥ كانون الأول.

أما تأثير الديانة الزردشتية –التي نستطيع اعتبارها ديانة كردية لأنها ظهرت بين الكرد وكان نبيها كرديا بالإضافة إلى أن معظم رجال الدين كانوا أكرادا من قبيلة ماكين الميدية – فكان واضحا وجليا سواء على الفرس الذين اتخذوها كديانة رسمية لامبراطورياتهم الثلاث الإخمينية الميدية ٥٣٩ – ٣٣١ ق.م. ومن ثم الدولة البارثية الأشكانية ٢٤٨ – ٢٢٤ ق.م. والامبراطورية الساسانية ٢٢٤ – ٤٥١ م.

وقد تجلى هذا التأثير في جوانب عديدة من خلال الدعوة إلى العمل الصالح وفعل الخير واعتبار الزراعة وإحياء الأراضي البور عبادة والدعوة إلى النظافة والأمانة والصدق وهي مطالب حضارية في الماضي والآن أيضا.

وقد انتقل تأثير الزردشتية إلى الشعوب المجاورة للكرد وحتى للأديان المجاورة لدولة الفرس " اليهودية – المسيحية – المانوية – المزدكية – والإسلام ".

فتذكر المصادر اليونانية والفارسية أن الفيلسوف اليوناني توتيانوس آمن بالزردشتية وعاصر زردشت وعاش معه لفترة ثم استأذنه في العودة إلى بلاده لنشر دين مزذيسنا بين الإغريق، كما اعتنق فيثاغورث الزردشتية وقال أفلاطون عن زردشت أنه من أعظم الحكماء القدماء وكان له تأثير كبير على شعبه وعلى تاريخ المنطقة، وتذكر المصادر الزردشتية أن الإسكندر المقدوني عندما أحرق مدينة برسيبوليس " اصطخر حاليا " عاصمة الفرس عام ٣٣١٠ ق.م. بعد أن نهب ثرواتها احترقت من جراء ذلك المكتبة الملكية التي احتوت على نسخة من كتاب أفستا وشروحاتها، ونقلت النسخة الثانية من الأفستا إلى أثينا للاستفادة منها وتقول الكتب الزردشتية أنها كانت الأساس لتطور العلوم اليونانية.

وعندما سبى الملك الكلداني نبوخذ نصر عام ٥٨٦ ق.م. اليهود وأسكنهم في بلاد بابل وكردستان تأثر اليهود بالزردشتية وخاصة مبدأ العقاب والثواب والحياة الأخرى وفكرة الجحيم والفردوس –أي الحساب بعد الموت ولم تكن هذه الأفكار معروفة لدى اليهود – ، كذلك اقتبسوا فكرة المخلّص والمنقذ التي عرفت في اليهودية بالمسيح المنتظر وانتقلت فيما بعد إلى المسيحية، واقتبس اليهود والمسيحيون طريقة الاحتفال بعيد المهرجان (المخصص للإله ميثرا الزردشتي)، وتحول لديهم هذا الاحتفال في ٢٥ كانون الأول إلى الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح.

وتحولت فكرة المنقذ المنتظر في الإسلام إلى فكرة المهدي ومجيئه وتطهير الأرض من الأشرار، كما أن وصف الصراط في التفاسير الإسلامية هي نفس وصف جسر الصراط جنيفات " جسر الامتحان في الديانة الزردشتية.

المساهمة في الحضارة العربية – الإسلامية: كما كان للكرد مساهمة في تطوير بعض جوانب الحضارة القديمة، ولعبوا دورا في نقل بعض المظاهر الحضارية بين بلاد الشام والرافدين وإيران والهند وآسيا الصغرى بحكم توسطهم لتلك المناطق، كذلك كان لهم دور مشابه في الحضارة العربية – الإسلامية.

ومع اعتناق الكرد للإسلام، سواء أكان ذلك تم سلما أم بحد السيف، تحولوا مع غيرهم من الشعوب إلى حملة رايته، في سبيل توسيع رقعة الدولة أو المملكة الإسلامية خلال العهدين الراشدي والأموي، ولما كانت الدولة الأموية، دولة عربية لحما ودما، فقد تعصب الأمويون للعرب والعربية، وأخذوا ينظرون إلى الموالي –المسلمون من غير العرب – نظرة الازدراء، وقد أثارت هذه المعاملة حنق الموالي وسخطهم على الأمويين، وأخذوا يتلمسون الفرص للإيقاع بهم ومن بين الموالي طبعا الشعب الكردي.

وقد لعب الكرد بقيادة عبد الرحمن بن مسلم المشهور بأبي مسلم الخراساني دورا متميزا في القضاء على الدولة الأموية وتأسيس الدولة العباسية عام ٧٥٠ م. – ١٣٢ هـ. وقد أدى اغتياله على يد الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين شعوب الخلافة إلى نقمة الكرد على الدولة العباسية، والانضمام إلى معظم الثورات التي قامت ضد الدولة العباسية، خاصة ثورة بابك الخرمي وثورة الزنج وثورة القرامطة.

وإثر ضعف الدولة العباسية واستقلال بعض الولايات عن السلطة المركزية في بغداد، كان الكرد سباقون إلى تأسيس إمارات وحكومات وأحيانا دول خاصة بهم في مناطقهم التاريخية وأحيانا خارجها، فقد تأسست أول حكومة كردية عام ٢٣٠ هـ على يد محمد الروادي عرفت بالدولة الروادية، وتتالت إثر ذلك تأسيس الإمارات حتى تجاوزت ٥٠ إمارة وحكومة كردية الطابع.

وإذا ما تناولنا المجال أو المظهر السياسي للحضارة العربية الإسلامية نجد أن للكرد دورا في رسم بعض جوانبها، فالملك الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي أسس دولة مترامية الأطراف، اشتهر بنبله وشهامته وأخلاقه الرفيعة مع رعاياه وخصومه حتى تحول إلى مضرب للمثل في حسن الإدارة إلى جانب حنكته العسكرية وحبه للعلم والعلماء، وساهم مع أمراء البيت الأيوبي في رفع لواء النهضة الفكرية والفنية (العمران خاصة) في مصر وبلاد الشام وكردستان " الجزيرة " والحجاز واليمن ببناء المدارس والمساجد والخانقاوات والمشافي والسدود والجسور والقلاع والحصون والأسوار والمرافق العامة، وهو أول من أدخل نموذج المدارس إلى القدس ومصر والحجاز.

وكانت شخصية شقيقه الملك العادل سيف الدين قريبة من شخصيته، ويعود الفضل في النهضة المصرية والعربية الحديثة إلى حاكم آخر من أصل كردي هو محمد علي باشا الذي حكم مع أفراد أسرته مصر والسودان زهاء قرن ونصف، فقد كانت إصلاحاته في مجال التعليم والاقتصاد والإدارة والعمران أساس النهضة المصرية والعربية الحديثة، ويشبهه المؤرخون بالإمبراطورة اليابانية موتسو هيتو التي وضعت أساس النهضة اليابانية الحديثة، فقد أدخل المعامل والمصانع الآلية إلى مصر وأرسل البعثات إلى أوروبا للتخصص وشق القنوات والترع وبنى السدود وأدخل زراعات جديدة إلى مصر وأصدر أول صحيفة في البلاد العربية هي صحيفة الوقائع.

وفي هذا المجال يمكن الإشارة أيضا إلى أسماء كردية أخرى مثل كريم خان الزندي في إيران، وشرف خان البدليسي، وشكري باشا الأيوبي، وابراهيم هنانو في سوريا، وكان الكردي محمد علي العابد أول رئيس جمهورية للدولة السورية، وقد انتخب دستوريا عام ١٩٣٢. وفي الجانب الفكري " المظهر الفكري " كان تأثير العلماء والأدباء الكرد واضحا على الثقافة العربية الإسلامية، ويمكن الإشادة هنا بالعالم الجزري " ٦٠٢ هـ – ١٢٠٦ م " صاحب كتاب " الجامع بين العلم والعمل " الذي وضع أساس علم الميكانيك (الحيل) والهيدروليك باختراع مجموعة من الآلات والمضخات والساعات التي تعمل آليا، وقد وصف مؤرخ العلم سارتون كتابه الجامع بأنه " أكثر الأعمال تفصيلا من نوعه، ويمكن اعتباره الذروة في هذا المجال بين الإنجازات الإسلامية " ، وقد عاش في منطقة آمد وطبق أفكاره فيها، وقد ترجم كتابه إلى الإنكليزية والألمانية.

وفي مجال اللغة والنحو اشتهر أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي " ٣٧٠ هـ – ٩٨٠ م " كعالم بالشعر وناقد موضوعي ويعتبر كتابه " الموازنة بين الطائيين " بحث ودراسة منهجية ناضجة في مجال النقد، وقد أشاد به معظم المؤرخين، ونقل أبو علي القالي " ٣٥٦ هـ– ٩٦٦ م " أمهات الكتب والتصانيف من المشرق إلى الأندلس، وجمع حوله أشهر علماء الأندلس في عصره ونال الاحترام والحظوة في قرطبة، وأشهر أعماله " الأمالي " ومعجم " البارع ". وقد ابتكر بديع الزمان الهمذاني " ٣٩٨ هـ – ١٠٠٥م " فن المقامات – أعتقد أنه من أصل كردي – لأنه ولد في مدينة كردية هي همذان عاصمة الامبراطورية الميدية.

ومن بين المؤرخين الذين اشتهروا بدقتهم العلمية والموضوعية يبرز اسم ابن الأثير " ٦٣٠ هـ – ١٢٣٤م " صاحب كتاب " الكامل في التاريخ " الذي يعد من أهم المصادر التاريخية الإسلامية. أما أبو الفداء صاحب حماه اسماعيل بن عبد الملك الأفضل الأيوبي " ٧٣٢ هـ – ١٣٣١م " فقد كان حاكما ناجحا وعالما موسوعي الثقافة، وقد كتب وصنف في معظم الفنون نثرا وشعرا " الطب، الفلك، الفقه، الأدب، التاريخ، الجغرافيا " ، وأهم أعماله كتاب " المختصر في تاريخ البشر " وفي الجغرافيا يعتبر كتابه " تقويم البلدان " ثالث كتاب عربي اشتهر في الغرب بعد القرآن الكريم، وكتاب ألف ليلة وليلة وقد ترجم إلى الفرنسية والانكليزية.

ويعد ابن خلكان " ٦٨١ هـ – ١٢٨١ م " أبرز الذين صنفوا في حقل التراجم، ويعتبر كتابه " وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان " أهم المصادر في التراجم والتاريخ الأدبي.

ومن بين رواد النهضة الفكرية أو اليقظة القومية العربية الحديثة يبرز اسم الشيخ محمد عبده " ١٨٤٨ – ١٩٠٥ م " عاليا، فقد كان من بين قلة قليلة من المطالبين بإصلاح المجتمع ومنح الحريات وصيانة حقوق الرعية والمجددين للفكر الديني.

وكان لأفكار وتعاليم عبد الرحمن الكواكبي " ١٨٤٩ م " دورا عظيما في محاربة الظلم والاستبداد العثماني في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، إلى جانب أمير الشعراء أحمد شوقي وعباس محمود العقاد ومحمود تيمور وقاسم أمين أول مدافع صلب دافع عن حقوق المرأة في كتابي (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة).

وفي المجال الفني يمكن الإشادة بالموسيقي الكردي زرياب الذي نافس أستاذه اسحق بن ابراهيم الموصلي وتفوق عليه في بلاط الخليفة هارون الرشيد، ثم اضطر إلى مغادرة بغداد عام ٢٠٦ هـ إلى بلاط عبد الرحمن الأوسط في قرطبة، وأصبح لفن الغناء بفضله مكانة ملحوظة في الأندلس.

وفي هذا المجال أيضا يذكر المخرج المصري يوسف شاهين في مذكراته أن آل بدرخان هم أول من أدخل فن السينما إلى مصر، وإذا ما علمنا دور أهمية السينما المصرية في العالم العربي سندرك تأثير الكرد على ذلك بإدخال فن صناعة السينما إلى مصر.

وفي المجال الفني أيضا يمكن الإشارة إلى بناء أول دار للأوبرا في مصر على يد الخديوي اسماعيل وكذلك إلى الأعمال العمرانية الضخمة التي بنيت في عهد الدولة الأيوبية وأسرة محمد علي والدويلات الكردية التي قامت في المنطقة.

وإذا ما أردنا أن نختتم بحثنا بذكر بعض الأسماء الكردية في العصر الراهن التي كان ولا يزال لها تأثير على أبناء الشعب الكردي وعلى شعوب المنطقة وحتى على الفكر العالمي فيمكن ذكر أسماء: جكرخوين وسعيد النورسي المشهور بسعيد الكردي ومحمد سعيد رمضان البوطي وياشار كمال وسليم بركات وبلند الحيدري ويلماظ غوني وبكري الكردي وشفان برور وسعيد يوسف وابراهيم تاتليسَس….

-------------------------
مصادر البحث:

١ – خلاصة تاريخ الكرد وكردستان – محمد أمين زكي – ط ٤ ١٩٩٦.
٢ – تاريخ الكرد القديم – د. جمال رشيد أحمد – د. فوزي رشيد – أربيل ١٩٩٦.
٣ – موجز تاريخ الحضارة – د. نور الدين حاطوم – د. نبيه عاقل – د. أحمد طربين – د. صلاح مدني ١٩٦٥.
٤ – تاريخ حضارات العالم القديم – د. نعيم فرح – دمشق ١٩٧٥.
٥ – المدخل إلى تاريخ الحضارة – د. جورج حداد – مكتبة السائح – طرابلس ١٩٥٨.
٦ – مصادر التراث العربي – د. عمر الدقاق – دار الشرق – بيروت – بلا.
٧ – تاريخ الإسلام – د. حسن ابراهيم حسن – دار الجليل – بيروت ط ١٤ – ١٩٩٦.
٨ – علماؤنا في خدمة العلم والدين – عبد الكريم محمد المدرس – ط ١ ١٩٨٣.
٩ – الفكر العربي الحديث – نوطة السنة الرابعة – قسم الفلسفة – الأستاذ سليم بركات – جامعة دمشق ١٩٧٨ – ١٩٧٩ .
١٠ – حضارة كردستان القديمة – مقالة للأستاذ حمزة أحمد.





الامبراطوريـة المـيديـة

بقلم : كارزان خانقيني

ظهرت في القرن السابع قبل الميلاد وقبيل سقوط الامبراطورية الاشوريةالنهائي قوى دولية هامة في ارمينية و اسيا الصغرى في الوقت التي شرعت تبدوا على المسرح السياسي -الفكري في المنطقة شعوب اخرى ,من هذه القوى الدولية - اورارتو وليديا وفيرجيا اما ملك ليديا ( جيجز ) فقد قتل في ( ٦٥٢ ) ق.م وهو يحارب الكيميريين - الكيميريون والسيكيثيون- اقوام سكنت منطقة السهوب في المنطقة الواقعة بين بحري ارال وقزوين وقد دفع السيكيثيون الذين كانوا فرسانا اشداء (الكيميريون) الى قتال الاشوريين حيث وصلت طلائعهم الى منطقة -افسوس- على بحر ( ايجة ) الحالي حيث اوقفوهم بصعوبة بالغة عند( كيليكية ).

وكانت هناك اقوام من اقرباء السيكيثيون يدعون -الميديين- الذين يعتبرون اشد باسا وقوة حيث على ايديهم ظهر الفرسان السيكيثيون وقاموا بغزوا بلاد اشور وقد تقدم الميديون حتى اصبحوا على ابواب بلاد اشور وقد كان الميديون الذين كانوا في السابق قبائل متحدة تعيش في مناطق زاكروس الجبلية وما وراءها قد اسسوا دولة في منطقة - اقباتان - (همدان) الحالية وبدا انهيار الاوضاع منذ ايام اشور بانيبال ولكن بعد موته ( ٦٣٠ ) ق. م بدات الامور تتغير فقد سيطر السكيثيون على مملكة اورارتو التي اختفت من خريطة المنطقة نهائيا واجتاحوا اشور وحوض الفرات وتقدموا في سورية ولم يتوقفوا الا عند ابواب مصر بعدما دفع لهم الفرعون ( بسماتيخ ) كميات من الذهب كفدية وفي عام ( ٦٢٥ ق.م. توصل ملك الميديين كيخسرو او كيخسار ) الى توحيد كل القبائل المجاورة واستطاع ان يكون منهم قوة لا يستهان بها ومنذ ذلك الوقت اخذت تتلاحق الاحداث الى ان طوقت نينوى العاصمة الاشورية ولم تستطع الاستمرار في المقاومة حيث دخلت الجيوش الميدية نينوى عام ( ٦١٢ ) ق.م. الا ان المصادر تذكر ان تاريخ ظهور الميديين بدات قبل هذا بكثير حيث يذكر المصادر ان موقف شعوب زاغروس كانت تشكل منذ البداية خطرا على الدولة الاكدية اضافة الى تحركات الكوتيين (الكوتيين اقوام سكنت بلاد سوبارتو ويعتقد ان اصل الميديين انحدر منهم) التي اتخذت طابعا اخر بدأ من سنة ٢٢٦٩ ق.م. الى سقوط الدولة نهائيا ٢٢٣٠ ق.م.

تعريف الميزوبوتاميا ان ما بين النهرين ( ميزوبوتاميا ) هو بالمعنى الحرفي للكلمة( هبة اكبر نهرين في الشرق الاوسط - دجلة والفرات) وهما يحملان منذ الازمنة السحيقة مياههما من سلاسل جبال طوروس اما لماذا ظهرت المدن الاولى والحضارات الاولى في هذه المنطقة بالذات ؟ يفترض اغلب الباحثين ان الظروف الطبيعية - الجغرافية ل(ميزوبوتاميا) ما بين النهرين ادت دورا هاما بشكل خاص على حياة اقدم سكان ما بين النهرين ادت دورا هاما بشكل خاص في حث تطور الثقافة المحلية, تقسم اراضي ما بين النهرين تقليديا الى منطقتين متباينتين بوضوح من حيث الظروف الطبيعية ( العليا الشمالية ) و ( السفلى الجنوبية ) ينبع دجلة والفرات من جبال ( اكري) او ( اغري) ارارات الحالية حيث يغذيهما العديد من الجداول المحلية, يجري دجلة المتدفق والغزير المياه الى الشرق والجنوب الشرقي بمحاذاة جبال زاكروس وقد غير مجراه الاسفل مرارا ( حتى في العصور التاريخية ) حيث يلتقي بالفرات مشكلا معه شط العرب الذي يصب في البحر مباشرة, وكل روافد دجلة تنبع في المناطق الجبلية الشرقية - الخازر - الزاب الكبير- الزاب الصغير - سيروان وغيرها.

في الازمنة القديمة كانت ظروف الحياة صعبة بشكل خاص في المنطقة السفلى لما بين النهرين من هذا يستدل على ان الحياة كانت عديمة في المنطقة السفلى حيث كان جل الساكنين لما بين هذين النهرين هي في المناطق القريبة من الجبال مما يؤكد وبدليل قاطع ان البداية الحضارية لجميع الاقوام التي سكنت هذه المنطقة بدات بداية حقيقية من قبل ساكني هذه المناطق وبما ان الاقوام التي سكنت هذه المناطق هم الاريين (الكاردوخيين) لذا يستدل من جميع البحوث والتنقيبات التي اجريت وجميع الفرضيات ان الاكراد هم بدابة هذه الحضارة وهم سكانها الاصليين. في المنطقة العليا الشمالية ل(ميزوبوتاميا) يمتد سهل طويل يحمل اليه الهواء من البحر المتوسط امطارا شتوية كافية للزراعةالمبكرة تتاخم هذا السهل ذا التلال من الشمال والشرق منطقة جبلية هي كردستان الجنوبية وهي تشبه بشكلها هلالا يقع احد طرفيه في مدينة خانقين المعاصرة وطرفه الاخر في معبر على دجلة قرب فيش خابور حيث تلتقي ثلاثة اقسام من كردستان هي الجنوبية الغربية والجنوبية والشمالية التي تحتلها كل من (سوريا والعراق وايران وترکيا) حاليا حيث ان المناظر لا تختلف ابدا القرى نفسها حيث تجمعات البيوت المبنية من الحجر والملاصقة للجبل واشجار الحور الهرمية نفسها والمدرجات الجبلية المستخدمة لزراعة الكرمة والتبغ وليس من النادر ان تكون سفوح الجبال مغطاة بغابات من اشجار البلوط المنخفضة. ان الحفريات الى اعمق الطبقات في عدة تلال من ميزوبوتاميا وفرت لعلماء الاثار بعض المواد لوضع مخطط للتطور على شكل ثقافات زراعية مبكرة وتاريخية اولية سبقت ظهور الحضارة على ارض ميزوبوتاميا لكنها جميعا تعود الى المرحلة المتاخرة لتطور الثقافات الزراعية المبكرة ولم تكن تشمل اكثر من ٢٥٠٠ سنة وبقي ما بين النهرين ( السابق للتاريخ ) اي عصره الحجري غير معروف عمليا.

ولكن من الواضح انه في تلك الفترة بالذات بين اواخر العصر الحجري الحديث اي قبل الميلاد بحوالي
( ١٢٠٠٠ - ١٠٠٠٠ ) سنة جرت في الشرق الاوسط اهم العمليات والتغييرات التي ادت في نهاية المطاف الى قيام اسس الاقتصاد ( المنتج ) هذه العمليات تشكل في تاريخ المنطقة عصر انعطاف وفاصلا نوعيا هاما يطابق وفق تصنيف ( انجلس ) الانتقال من الوحشية الى البربرية - البربرية هي مرحلة بداية تربية الماشية والزراعة ( مرحلة استيعاب ) اساليب زيادة المنتوج الطبيعي بواسطة النشاط البشري ان المراحل الاولى من ثورة العصر الحجري الحديث بما في ذلك مقوماتها لا تلاحظ في بلاد ما بين النهرين الا في شمال المنطقة في جبال وتلال كردستان الجنوبية ( زاكروس ) وسنجار فقد عثر هناك كما كان متوقعا على بواكير اقتصاد النمط الجديد وهذا ما يؤكد مرة اخرى تنبؤا الاكاديمي السوفيتي ( فافيلوف ) باقتران كل مراكز الزراعة الاولى بمناطق الجبال والتلال ذات المناخ الشبه استوائي والاستوائي الجاف والدافيء بيد انه يجب لاكتمال اللوحة التوجه الى المواد التي لاتزال قليلة الى الان والتي تعكس المراحل الاولى من ثورة العصر الحجري في اراض ميزوبوتاميا.

لقد عثر في ما يسمى بالطبقة ( في منطقة معينة من كردستان الشمالية المسى ب(حجي لار) وايضا في زاكروس (تبة جرمو - تبة كه ورة) على حبوب غير برية من القمح والشعير ومكتشفات مماثلة من العدس والحمص والماعز والبقر والغنم والكلاب.

وترمز المستوطنات نفسها الى التقدم العاصف لجملة من جوانب مؤسسيها الذي تتسم به ( ثورة العصر الحجري الحديث وتشكل( تل مغزلية ) التي اكتشفتها ودرستها بعثة اثرية سوفيتية في منطقة كردستان الجنوبية ( وادي شنكار ) سنجار الحالية - اثرا رائعا للمزارعين القدماء تنتصب البلدة القديمة على طرف سلسلة - سنجار - في شعب جميل عميق حتى( ٣٠ ) م حفره نهر عبرة المندفع قبل ان يقتحم السهل لقد هدم النهر نصف المستوطنة ويشكل النصف الباقي تلا ارتفاعه ( ١٨ ) م ومساحته اكثر من هكتار ويشمل الزمن الذي وجدت فيه البلدة اواخر الالف الثامن والنصف الاول من الالف السابع ق م هذا ما يستوعبه هذا الجزء وسوف نتابع وتتابعون معي حلقات اخرى من هذه المقالات درا للخطر القادم من تركيا الطورانية واثباتا مننا باحقية الكرد في ارض كردستان المتعايش بسلام مع اخوانه من العرب والاشوريين والكلدان.

--------------------------------------------

كارزان خانقيني مشيغان - الولايات المتحدة الامريكية
١٩/ ٤/ ٢٠٠٢ المصادر
١- غولاييف: دار التقدم موسكو ١٩٨٩ الاتحاد السوفيتي ترجمة طارق معصراني
٢- (H.arfa, the kurdes and historical and political study (oxford university press-1966
٣- (ghilan (les kurdes persans,et l'in vasion attomane; revue du monde
٤- صفحات اخرى من مقال ghilan وكذلك مشكور ومذكرات البروفيسور ( wollfgang rudolph )





كركوك وتوابعها حكم التاريخ والضمير
دراسة وثائقية عن القضية الكوردية في العراق
للبروفيسور الدكتور كمال مظهر أحمد

بقلم :عوني الداوودي

ترددت كثيراً قبل الشروع بعرض هذا الكتاب " الموسوعي " عن كركوك، وذلك لصعوبة إعطاء فكرة واضحة عنه من خلال عرض قد لا يتجاوز عدة صفحات، ولوفرة المعلومات المهمة التي ضمنها المؤلف كتابه هذا، الذي أخذ من وقته ما يقارب عشرة سنوات في البحث والتنقيب وجمع الوثائق وإستقاء المعلومة من مضانها الأصلية، ومقارنتها ببعض المصادر الأخرى التي جانبت الصواب في بعض الأحيان. ومؤلف الكتاب هو البروفيسور الدكتور كمال مظهر أحمد المعروف بأسلوبه العلمي الرصين في البحث والتقصي، وبحياديته في طرح الأفكار وإيصال المعلومة سواء إلى المتلقي أو لطلابه في الجامعات، ومؤلفاته تجاوزت الثلاثين كتاباً عن التاريخ الكوردي والعراقي والشرق أوسطي والأوربي، ومئات الدراسات والبحوث المنشورة في مختلف المجلات العلمية المتخصصة وغيرها، والجرائد والدوريات، كما كتب وألف باللغات العربية والكوردية والروسية، وترجمت أعماله إلى عدة لغات منها الفرنسية والإنكليزية، التركية، الأرمنية والعربية، كما وأشرف على عشرات أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير، وأعتمد في تأليف كتابه الأخير الذي بين أيدينا على مجموعة نادرة من الوثائق التي لم تذكر لليوم في مؤلفات أخرى على حد علمي " أما عن جهل أو عن قصد " والرسائل المتبادلة بين السياسيين وآراء الرحالة الذين زاروا المنطقة، وعلى أمهات الكتب العربية والإسلامية والعثمانية والروسية والإنكليزية والفارسية والسالنامات العثمانية والموسوعات " الإنسكلوبيديا " ودائرة المعارف الإسلامية وغيرها، أنه كتاب لا يمكن المرور به هكذا دون إستقرائه بشكل جيد لا سيما من المتخصصين في علم التاريخ، أنه كتاب يٌقرأ من ألفه إلى يائه.

لم ألحظ أبداً سيطرة أية مشاعر أو عواطف شخصية أو إنحياز لهذه الفئة على تلك من سكان كركوك، بل تبنى الموضوع بشكل علمي بعين الخبير والباحث الثاقب النظر باسطاً حقائق التاريخ والجغرافية أمام أعين القراء والباحثين والدارسين لأستنباط ما ينفع ويفيد المصلحة العامة .. وأختار المؤلف عنواناً معبراً لكتابه " كركوك وتوابعها حكم التاريخ والضمير " يضع فيه القارئ أمام حكم التاريخ الذي يبسطه بشكل رائع دون تعقيد قل نظيره في البحث والتأليف، ومن ثم يتجه لضمير المتلقي للفصل والحكم في هذه القضية ألا وهي " قضية كركوك " .

كما أهدى الكتاب خصيصاً لأبناء الشعب العربي سواء في العراق أو خارجه، بعبارة موجعة تمس عقولهم وضمائرهم مباشرة .

الأهداء : " إلى كل عربي يرفض أن يكون ظالماً ، بقدر ما يرفض أن يكون مظلوماً " .

ومحاولتنا هذه هي ليست قراءة نقدية للكتاب بقدر ما سأحاول عرض ونقل فقرات وعبارات مهمة من الكتاب كما هي إلى القارئ العادي أو الباحث عن الحقيقة ليقف بنفسه على الحقائق التاريخية وما يتعلق بمنطقة كركوك " شهرزور " التاريخية .

يتطرق الكتاب وبشكل مكثف ومركز إلى المواضيع التالية :

نبذة تاريخية ـ عن التاريخ القديم لشعوب المنطقة ، ونشوء القومية الكوردية
كركوك وتوابعها في ظل الإسلام والخلفاء
كركوك وتوابعها في العهد العثماني
كركوك وتوابعها والإمارات الكوردية في العهد العثماني
الواقع الإقتصادي لكركوك وتوابعها
كركوك وتوابعها في كتب الرحالة
العرب في كركوك وتوابعها
التركمان في كركوك وتوابعها
كركوك وتوابعها في ظل الإحتلال البريطاني
كركوك وتوابعها في بداية عهد الإنتداب
كركوك وتوابعها أمام مؤتمر القاهرة
موقف كركوك وتوابعها من ترشيح الأمير فيصل لعرش العراق مع نبذة عن موقف فيصل من القضية الكوردية
كركوك وتوابعها وحركات الشيخ محمود
كركوك وتوابعها في إطار مشكلة الموصل

• بعد أن يتحدث في القسم الأول " نبذة تاريخية " عن السكان والأقوام القدماء في كوردستان من اللوبيين والكوتيين، والخوريين الذين حكموا أشور قرابة قرن من الزمان ، ويبين بأنهم هم الذين بنوا بعض توابع كركوك مثل طوزخورماتو التي تحمل اسمهم حتى اليوم ، ويبين بأن أسم المدينة الأصلي هو " خورماتو " المشتق مبنى من كلمتي " خور " أي الخوريين و " ماتو " التي تعني في اللغة الأكدية " المدينة " فيكون الاسم مدينة الخوريين ... وظل إسم خورماتو متداولاً في العصور الإسلامية ولغاية القرن التاسع عشر دون أن يفقه الناس معناه الأصلي

• ويذكر بأنه ورد في كتاب " الجغرافية السياسية " عن الكورد من تأليف عدد من الأساتذة الجامعيين المصريين في العام ١٩٦١ " الأكراد سلالة منحدرة من أصل شمالي ... وكانت لهم دولة قديمة عاصمتها " آرابخا " وهي كركوك الحالية .

• ويشير أيضاً إلى مبحث الأستاذ الجامعي العراقي الدكتور فوزي رشيد " سكان جبال زاكروس وكردستان القدماء " وحول علاقة الكورد تأريخياً بكركوك .

يذكر : وهذه الحقيقة لا تنفي العلاقة القوية التي كانت تربط اللوبيين بالسكان القدماء الآخرين لكردستان كالكوتيين ، أو الخوريين لغوياً كانت أم حضارياً وخاصة لو عرفنا بأن مركز هؤلاء كان في مناطق قريبة بعضها عن البعض الآخر ، كمستوطنات نوزي الخورية ، وآرابخا الكوتية ، وبابيت اللوبية وجميعها حوالي كركوك الحالية .

• ويسلط الضوء كذلك وحسب المصادر التاريخية على أن الكورد ظلوا يؤلفون روح الإسلام في كركوك ، فكانت مساجد المدينة وتوابعها وتكاياها وأوقافها ومدارسها بيد رجال الدين الكرد أساساً .

• وأعتمد في دراسته على المصادر العربية والإسلامية / كـ ياقوت الحموي ، أبن خرداذبة وحمد الله المستوفي وأبو الفدا وإبن خلكان والقلقشندي وأبن المهلهل وغيرهم ، ويذكر بأن القلقشندي توفي " ١٤١٨ " قد حدد مكان كركوك وطابعها الكوردي بالأستناد إلى " مسالك الأبصار في ممالك الأمصار " للجغرافي الدمشقي أبن فضل الله العمري المتوفي " ١٣٤٨ " .... جبال الأكراد قال في مسالك الأبصار : والمراد بهذه الجبال ، الجبال الحاجزة بين ديار العرب وديار العجم. " ويقصد بها سلسلة جبال حمرين جنوب كركوك "

• ويركز الدكتور كثيراً على أرتباط أسم كركوك وتوابعها باسم شهرزور ويعرض آراء المؤرخين والجغرافيين المسلمين القدمى ، مثلاً : ويصف ياقوت الحموي " بلاد شهرزور ما نصه وأهل هذه النواحي كلهم أكراد " وكان هؤلاء الأكراد يتمتعون بقدر كبير من الأستقلالية عبر عنه ياقوت نفسه هكذا " وأهلها عصاة على السلطات "

• ويشير أيضاً إلى أن المصادر الإسلامية تؤكد وجود مدينة قديمة بأسم شهرزور وكانت تقع في كورة " شهرزور " ويحدد الباحثين موقع تلك المدينة " بـ ياسين تبه " القريبة من مدينة كركوك الحالية ... منهم المستشرق الإنكليزي " كي ، سترنج " بالأستناد إلى ابن خرداذبه وأبن حوقل والقزويني والمستوفي .

• وصف الرحالة أبن مهلهل في القرن العاشر الميلادي شهرزور .... " شهرزور مدينات وقرى ، فيها مدينة كبيرة ، وهي قصبتها في وقتنا هذا " وكان أكراد هذه الكورة حين زارها أبن مهلهل تنشئ حوالي ستين ألف بيت ، وحين كتب المستوفي في المئة الثامنة كانت شهرزور مدينة زاهرة وأهلها أكراد .

• كما يتطرق إلى أن سكان الإمارة الأتابكية وجيش مظفرالدين كوكبوري حسب المصادر التاريخية التي يشير إليها كانوا من الكرد قاطبة ، بل أن بعض تلك المصادر تحدد سكان كركوك وتوابعها يومذاك بابناء عشيرة زه نكنة وجاف وهموند . أي قبل ما يقارب عشرة قرون .

• ويذكر ايضاً إلى أن ولاية أربيل وولاية شهرزور ضمت إلى العراق العربي تحديداً عام ٣٢٢ هجرية في أواخر العصر العباسي .

• ويبين في دراسته هذه بان كركوك كانت ضمن الأمارة الحسنوية التي تأسست أواسط القرن العاشر للميلاد ومنها أيضاً الإمارة العنازية . وكانت داقوق في القرون الثالث والرابع والخامس الهجري أحد مراكز الإمارات الثلاث المتتابعة الحسنوية والعيارية والجاوانية ، وكانت كركوك وداقوق في فترات أخرى ضمن إمارة أردلان وإمارة سوران وبابان .

• أما بالنسبة لإمارة أردلان ودورها في التاريخ الكوردي يذكر، وصف " لونكريك " لهذه الإمارة القوية "أردلان افضل إمارة ظهرت في المنطقة من حيث الحضارة أو الحكم الملكي " قبل الإحتلال العثماني للعراق " ... حتى أنه يصفها بالإمبراطورية أكثر من مرة . ويتطرق ايضاً إلى امير كوردي آخر وهو مير سيدي بن شاه علي بك أمير سوران كيف استطاع أسترجاع الموصل وكركوك وأربيل من الصفويين وضمها إلى بلاده .

• ويذكر أيضاً .... بأعتراف عدد كبير من المصادر العثمانية والعراقية والاجنبية والكوردية كانت كركوك وتوابعها إحدى تلك المناطق التي أدخلها البدليسي في حوزة العثمانيين في العقد الثاني من القرن السادس عشر مع أحتفاظ الزعماء الكورد بكامل سيطرتهم عليها

• ويتطرق إلى تعزز الوجود العثماني في العراق في عهد السلطان سليمان القانوني الذي دخل بغداد على رأس جيشه سنة ١٥٣٤ ، وبعد ذلك قسم العثمانيون العراق حسب النظام الإداري الجديد على أربع أيالات هي بغداد والموصل والبصرة وشهرزور . وكانت حدود أيالة شهرزور هي ايالة بغداد من الجنوب والموصل وحكومة العمادية من الغرب وهكاري وأذربيجان من الشمال وبلاد فارس من الشرق ... بمعنى أن كركوك وتوابعها كانت تقع في قلب الايالة " شهرزور " وتمثل جزءاً أساسياً منها ... وكانت أيالة شهرزور تتألف من سناجق كركوك وأربيل وكويسنجق والسليمانية وراوندوز وحرير ، أما مركزها فكانت مدينة كركوك .

• ومن الفقرات المهمة في الكتاب أيضاً : سجل أهم مصدرين عثمانيين كلاسيكين هذه الحقائق المصدر الأول هو كتاب " سياحتنامه " للرحالة التركي الشهير أوليا جلبي ، هو محمد بن ظلي درويش . الذي زار المنطقة في القرن السابع عشر ، إذ يقول " أن تسع ولايات في عهده كانت تؤلف كوردستان وهي ، أرضروم ووان وهكاري وديار بكر وجزيرة أبن عمر والعمادية والموصل وأردلان والموصل وشهرزور " وكانت كركوك تدخل ضمنها " وأردلان . وكانت أيالة شهرزور مقسمة في القرن السادس عشر على سنجقين وكان السنجق يقابل اللواء .... أما المصدر الثاني هو كتاب " "جهان نامه " لـ " كاتب جلبي " وهو مصطفى بن عبدالله خليفة ، ولد سنة ١٦٠٩ وتوفي ١٦٥٧ وهو جغرافي وبيبلوغرافي تركي معروف عاصر أوليا جلبي ، وحسب كتابه " جهان نامه " أرتفع عدد سناجق أيالة شهرزور منتصف القرن السابع عشر إلى " ٣٢ " سنجقاً أهمها قاطبة كان سنجق كركوك وهو سنجق أو مقر الباشا ، لذلك كان يطلق أسمه أحياناً على كل أيالة شهرزور ، فيسمى أيالة كركوك .

• بالأستناد على مصدر مهم آخر يذكر: وورد في دائرة المعارف الإسلامية أن ولاية شهرزور ضمت " ٣٢ " سنجقاً كانت كركوك واحدة منها ، وتحولت كركوك إلى المقر الرسمي لباشوات شهرزور ، وكان ولاة شهرزور وحكام كركوك الأوائل من الزعماء الكورد المعروفين في زمانهم ، وأن أول وال لايلة شهرزور في العهد العثماني كان الزعيم الأردلاني بيكه بك كما كان أول حاكم " محافظ " عين للسنجق هو مأمون بيك بن بيكه بك . .. ومن المهم ذكره هنا هو أن سلطة باشا بغداد في كل الأحوال كانت سلطة أسمية بالنسبة " لأيالة شهرزور " وقد ذكر الرحالة الإنكليزي جيمس ريموند ولستيد : " لقد أتسعت سلطة الوالي اسمياً أثناء زيارتي فراحت تمتد من البصرة جنوباً إلى ماردين شمالاً ثم يضيف : غير أن الكثير من هذه الأراضي يحتله البدو الأكراد الذين كان أرتباطهم بسلطان الباشا أسمياً وليس حقيقاً .

• وحتى عندما طبق الوالي الجديد " مدحت باشا " الأسس الإدارية الجديدة ، قسم العراق إلى أيالتين هما بغداد والموصل ، فدخلت كوردستان برمتها ضمن أيالة الموصل التي أصبحت تتألف من ثلاثة الوية هي الموصل وكركوك والسليمانية وقد ضم لواء كركوك ، قضاء كركوك مع نواحي داقوق وآلتون كوبري وكيل وملحة وشوان فضلاً عن قضاء اربيل مع ناحيتي سلطانية ودزه يي ، وقضاء راوندوز مع نواحي حرير وقوش تبه وبالك وشيروان وقضاء رانية مع ناحية بيتواته وقضاء صلاحية " كفري " مع ناحية باليسان وشقلاوة ، بمعنى أن الجزء الأكبر من اقليم شهرزور التاريخي بقي مرتبطاً بكركوك بل استمرت المصادر تنعت مدينة كركوك بـ " عاصمة شهرزور ... وجاء في القرار الصادر في عهد مدحت باشا " كركوك ويسمى لواء شهرزور " وكل هذا يدل على الرابطة القوية بين كركوك وباقي المناطق الكوردية .

• وفي عام ١٨٩١ ظهر أسم أيالة شهرزور مع تحديدها على أساس أنها عبارة عن " لواء كركوك بما فيها لواء اربيل وحتى في الكتب المدرسية العثمانية فقد ورد في كتاب الجغرافية من تأليف أحمد بك حمدي المنشور في ١٨٧١ والذي كان يدرس رسمياً في المدارس التركية، أن ألوية العراق كانت " بغداد وسليمانية وشهرزور أي كركوك وفي ضمنه أربيل ، وديوانية والبصرة والمنتفك وكربلاء .... وحتى في السالنامات العثمانية ... فبموجب سالنامة ١٩١١ كان سنجق كركوك يتألف من أربيل وراوندوز وكويسنجق ورانية وكفري وجميع توابع هذه البلدات ... وحتى عند تاسيس الدولة العراقية الحديثة بقيت كركوك على التقسيم الإداري نفسه وأتخذ قرار برئاسة عبد الرحمن النقيب وحضور الحكومة المؤقتة بها الشأن ، كما وأقرت الحكومة العراقية الأمر نفسه بعد تتويج الامير فيصل ملكاً على العراق .

• ويستشهد مرة أخرى بدائرة المعارف الإسلامية عن، كريمر " بأن السادة الحقييين للمنطقة أي كركوك وتوابعها ، كانوا من الزعماء الكورد في مقاطعة أردلان ، ويستند كريمر بقوله هذا من مصدر عثماني كلاسيكي أصيل هو " جهان نامه " للحاج خليفة "

• وحسب لونكريك أن " باشا كركوك العثماني " كان يضطر أحياناً إلى أن ينسحب من كركوك ويترك أمورها لخان أحمد خان زعيم إمارة أردلان " توفي سنة ١٦٣٦ " ويعتبر هذا الإجراء بحد ذاته دليل على نفوذ الزعماء الكورد في المنطقة ، وضمن سياق الكلام عن الأردلانيين ، يذكر بأن هناك راياً علمياً يرجح أن يكون الأردلانيون من الكاكائيين بالأصل . وفي فترات أخرى كانت كركوك ضمن أمارة بابان .

• كما ويذكر لونكريك : " كانت باشاوات الموصل وشهرزور " وعاصمتها كركوك " على طول هذه المدة مستقلتين عن باشا بغداد ، إلا عندما تصدر الأوامر السلطانية بالتعاون والتآزر .

• وفي بداية القرن الثامن عشر كان نفوذ إمارة بابان يمتد من كركوك إلى همدان .

• ونشر الرحالة الإنكليزي " جيمس بيلي فريزر " كتابه رحلات في كوردستان وبلاد ما بين النهرين " على أثر سياحته فيهما سنة ١٨٣٤ حيث يذكر فيها بأن كركوك وأربيل كانت ضمن أملاك محمد كور باشا الراوندوزي ، إمارة سوران . ويؤكد هذه الحقيقة ايضاً الرحالة الميجرسون .

• ويذكر الدكتور عبد العزيز سليمان نوار وهو باحث عربي " أمتد نفوذ إمارة بابان إلى كركوك التي كانت قاعدة أيالة شهرزور ، وكان يطلق على الحاكم الباباني أسم باشا كوردستان .

• كما ويقول المؤرخ والدبلوماسي العراقي الدكتور " علاء موسى كاظم نورس " وأخذت الأسرة البابانية تتوسع على حساب الإمارات المجاورة لها مثل السورانية والبهدينانية حتى أصبحت تسيطر على راوندوز وكفري وكويي وحرير وقزلجة وسروجك وقرداغ وأربيل وأمتد نفوذها إلى كركوك .

• وسجل الدكتور عماد عبد السلام رؤوف في كتابه " الموصل في العهد العثماني " عندما زحف والي بغداد بجيشه إلى كركوك وجد بأن جميع رؤساء المدينة وأطرافها وعشائرها يتعاونون سراً مع عبد الرحمن باشا الباباني .

• أما فيصل محمد الأرحيم " رسالة ماجستير " تطور العراق تحت حكم الإتحاديين " فقد توسعت الإمارة البابانية كثيراً وأمتد نفوذها حتى شمل كركوك قاعدة أيالة شهرزور .

• كما جاء في دائرة المعارف البريطانية وصف كركوك بإعتبارها واحدة من أهم مراكز التسويق الرئيسية في كوردستان . وضمن المجال الإقتصادي، ويشير أيضاً إلى " فقبل ظهور الإسلام بقرون أقتضت العلاقات بين كركوك وأربيل تأسيس جسر على الزاب الصغير عند موقع آلتون كوبري أو بالقرب منه أطلق عليه السكان المحليون أسم " بردئ " ليغدو بالتدريج أسماً مرادفاً للمنطقة بأسرها ، وكان الجسر موجوداً في القرن السادس عشر عندما مر السائح الأوربي " لئون راولف " فسجل أسم المنطقة بصيغته الكوردية " برسته ـ بردئ " .

• ويذكر المؤرخون والرحالة، حول الواقع الإقتصادي لكركوك وأهميته كسوق للمنتوج الزراعي والحيواني للريف الكوردي ، يذكر " كلوديوس جيمس ريج " سنة ١٨٢٠ في الليلة الماضية كنت منهمكاً جداً مع عمر أغا لمعرفة المنتوجات الطبيعية في كوردستان ... أن كركوك هي السوق التي ينتقل إليها كل ما ينتج في هذا الجزء من كوردستان .... وأكد ريج أن الذين يقومون ينقل تلك المنتوجات هم مواطنو كركوك الذين يأتون إلى هنا لهذا الغرض ولعقد الصفقات مع الزراع لشراء ما ينتجونه من رز وعسل وغيرهما .

• ويتطرق الكتاب أيضاً إلى " كركوك في كتب الرحالة "

• إن الطبيب الإلماني الدكتور ليونارد راولف الذي زار كركوك في أواخر عام ١٥٧٤ ونشرت رحلته بالإنكليزية عام ١٦٩٣ قد حدد لنا في ذلك الوقت المبكر حدود المنطقة الكوردية التاريخية ... " بدأنا مسيرتنا من بغداد في اليوم السادس عشر من شهر كانون الأول سنة ١٥٧٤ متجهين نحو كركوك التي تبعد مسيرة ستة أيام ، وتقع في حدود ماذي " ميديا " وقد بدأنا السفر من الطرف الثاني لنهر دجلة وعلى مسافة قصيرة من داقوق شاهدنا قلعة محصنة فيها إحدى الحاميات التركية ، وهذه تقع في منطقة الأكراد التي تبدأ من هنا وتسير بأمتداد نهر دجلة بين ماذي " مادي ـ ميديا " وبين النهرين حتى تصل إلى أرمينيا .

• كما يذكر الرحالة الفرنسي تافريتيه " وفي ذلك اليوم لم نر غير أعراب واكراد يسيرون بمحاذاة ضفتي النهر، الكرد في جهة ما بين النهرين والعرب في الجهة الآشورية .

• ملاحظة : في فصل التركمان في كركوك ، لا يذكر الكتاب مثلاً نزوح التركمان في عهدي نادر شاه وعباس الصفوي .

• وعند ذكره للتركمان في العراق وكوردستان يستند بذلك إلى عدة مصادر منها ، رأي المؤرخ التركماني العراقي " شاكر صابر الضابط " كما يتحدث عن عشيرة البيات التركمانية ومناطق سكناهم حوالي كركوك ، ويتطرق إلى: تأثر التركمان بدورهم بعرب المنطقة وكردها في أطر تأثر وتاثير غير قسري ... كما يذكر بأن أمتن العلاقات بين الشعبين قامت بسبب كثرة الاختلاط ، ويخلص إلى القول ، لكن شرخاً ما بدأ يعتري العلاقات بحكم عوامل مصطنعة يتحمل الجميع وزرها بدرجات متفاوتة ويأتي البريطانيون في مقدمتهم من حيث التسلسل الزمني ، لكن وفي مكان آخر من الكتاب يرجع إحدى الاسباب إلى ذلك هو نتيجة إندلاع ثورة الشيخ سعيد بيران عام ١٩٢٥ وتأثيرها المباشر على سمعة الإتحاديين في اطار مشكلة ولاية الموصل .

• وفي فصل كركوك وتوابعها في ظل الأحتلال البريطاني ... يشير إلى المذكرات السرية التي أصدرتها وزارة الخارجية البريطانية والتي تذكر بصريح العبارة مصطلح كوردستان وأطارها الجغرافي ، وورد نص صريح أيضاً يبين إن كوردستان العراق يمتد إلى الشرق من نهر دجلة وإلى ما وراء جبل حمرين .

• وفي نفس الفصل يذكر : ومن المهم أن نلاحظ أيضاً أن الشريف حسين " والد الملك فيصل " أشار صراحة في مراسلاته السرية مع البريطانيين في سنوات الحرب العالمية الاولى إلى أنه يقصد بالعراق " ولايتي البصرة وبغداد " التركيتين السابقتين ..... كما يشير ايضاً إلى بدء الإنكليز بالأتصال بكورد كركوك والسليمانية بعد أحتلال كفري ، وأخبرتهم بصورة رسمية أنها لا تنوي أن تفرض عليهم إدارة غريبة عن تقاليدهم ورغباتهم .

• كما وبدأت الإدارة الإنكليزية باصدار جريدة كوردية " تيكه يشتني راستي ـ فهم الحقيقة " أستهدفوا منها كسب الكورد إلى جانبهم وأبعادهم عن العثمانيين ، وزينت الجريدة في عددها الأول بشعار " صحيفة سياسية إجتماعية تخدم إتحاد الكورد وحريتهم " ، ولعبت تيكه يشتني راستي ، ووجهت نداءاتها إلى رؤساء الكورد في كركوك والسليمانية ، وحثت العشائر الكوردية في كركوك الطالباني والجاف والهموند وزه نكنه وشوان وشيخ بزيني وغيرها من أجل أنقاذ المنطقة الكوردية من براثن العثمانيون المتخلفين وتغنت بمآثر الهموند .

• وبعد إحتلال الإنكليز كفري في آيار ١٩١٨ قاموا بإحصاء تقديري لسكانها ولسكان دوز خورماتو وقره تبه حيث بلغ مجموع سكان المنطقة سبعين الفاً

 •  " ٤٢٨٣ " من التركمان موزعين على كفري ودوزخورماتو وقره تبه
 •  " ٤٥٨ " يهودياً
 •  " ٢٧٦ " إيرانياً
 •  " ٣٧ " عربياً موزعين على دوز وقره تيه
 •  " ١ " مسيحي واحد في كفري
 •  وأكثر من " ٦٠ " ستين ألف كوردي موزعين على كفري ودوز وقره تبه
 •  كما ورد في وثيقة أخرى إلى أن القرى العديدة في تلول قره تبه كوردية صرفة

• أحتل البريطانيون مدينة كركوك لاول مرة يوم السابع من آيار سنة ١٩١٨ ، وبعد الإحتلال مباشرة طار إلى كركوك وكيل الحاكم المدني أرنولد ولسون ، ويقول نلسون بصدد ذلك : " أن نعالج المشاكل الناجمة ، وأن نجند عطف العشائر الكوردية وحسن نيتها .. كما وأتخذ البريطانيون سلسلة من الإجراءات من أجل تنظيم شؤون المدينة الإدارية ، فتم تعيين " بولارد " حاكماً سياسياً للمدينة وتوابعها ... وكان أهم إجراء أتخذه الأتصال بوجهاء الكورد والتركمان وتأليف ما عرف بـ " محمكة السلم " وعين على رأسها " أحمد حمدي أفندي " وهو من الشخصيات الكوردية المعروفة في المدينة ، كان قاضياً في العهد العثماني ... وهنا يقول الدكتور مؤلف الكتاب في هذا الصدد ، هكذا أعاد التاريخ نفسه على أرض الواقع ، تماماً كما حدث عند أحتلال العثمانيين لكركوك لأول مرة قبل ذلك التاريخ بحوالي أربعة قرون ، ويقصد بأن الترك العثمانيون أسندوا حكم المدينة إلى الكورد ... " وأنا اضيف ايضاً، بأن الصفويون عند أحتلالهم للمدينة ، أسندوا أيضاً حكم المدينة للكورد الكلهر " . ويتطرق الكتاب ايضاً إلى أنسحاب الإنكليز من كركوك في ٢٤ | آيار | ١٩١٨ وعودة العثمانيون في الحال . ثم أعاد إحتلال المدينة في ٢٦ | تشرين الاول ١٩١٨ ، وتم تعيين الكابتن " فيما بعد الميجر " نوئيل حاكماً سياسياً على كركوك وتوابعها ... ويقول ولسن في تعليق له على تعيين نوئيل " وكانت تعليماتي التي وجهتها إليه ما يلي : عينت حاكماً سياسياً لمنطقة كركوك إعتباراً من أول تشرين الثاني ١٩١٨ ، وهذه المنطقة تمتد من الزاب الصغير إلى ديالى ، وفي الشمال الشرقي إلى الحدود التركية الإيرانية ." وهذا يعني بالتحديد إعتبار كركوك والسليمانية وقسم كبير من اربيل وجميع توابعها وحدة إدارية واحدة.

• وعندما خلف الكابتن لونكريك ، نوئيل وكيلاً للحاكم السياسي في كركوك ، باشر بتأسيس مجلس إدارة " مساعدة الحاكم السياسي البريطاني هناك " تألف المجلس من اثنتي عشر عضواً .
 •  عضو مسيحي
 •  عضو يهودي
 •  عضو عربي
 •  ثلاثة أعضاء تركمان
 •  ستة أعضاء من الكورد
 •  ويذكر أسماء كل واحد من هؤلاء ومحل إقامتة ومهنته وهويته الشخصية .


• بقيت كركوك تؤلف مركز الإدارة الرئيس لمعظم مناطق كوردستان الجنوبية طوال سنوات الحرب بل لم يجر فصل كركوك عن جنوب كوردستان في المراسلات والوثائق البريطانية .... وأبلغ وزير الدولة البريطاني موافقة حكومته إلى أرنولد بالصيغة التالية :

• " نخولكم المباشرة بأنشاء خمسة ألوية في العراق بحدوده المعلومة .. كذلك أنشاء لواء عربي في الموصل يحده شريط من دولة كوردية ذات حكم ذاتي . والألوية الخمسة هي : البصرة وبغداد والفرات والموصل وكوردستان بما فيها كركوك .

• كما وقسم البريطانيون العراق على ست عشرة وحدة إدارية وتسمى الواحدة منها منطقة . وهي : بغداد البصرة والقرنة والعمارة والناصرية والكوت والسماوة والحلة " بضمنها كربلاء " وبعقوبة وسامراء والدليم والشامية " بضمنها النجف " ودير الزور والموصل وخانقين وأخيراً كركوك ، وهذا يعني أن جميع المناطق الكوردية الممتدة إلى الشرق والجنوب من خانقين وإلى الشرق من الموصل أي أكثر من ثلاثة أخماس كوردستان الجنوبية كانت ترتبط بكركوك أدراياً بما فيه السليمانية وأربيل وكفري وكويسنجق وآلتون كوبري وداقوق ودوز وغيرها .

• وبعد التغييرات الإدارية فصلت بداية أربيل ورواندوز ، ومن ثم فصلت كويسنجق عن كركوك وتم تأليف شبه لواء جديد مركزه أربيل ويديره نائب متصرف بقي مرتبطاً بكركوك أدارياً لغاية نيسان ١٩٢٣ فيما بقيت السليمانية وتوابعها وبواقع " ٦٥٠٠ ـ ٧٠٠٠ " ميل مربع ضمن كركوك.

• كركوك وتوابعها في بداية عهد الأنتداب :

• تقرر منح بريطانيا الأنتداب على العراق وولاية الموصل في مؤتمر سان ريمو لدول الحلفاء " ١٩ ـ ٢٦ نيسان ١٩٢٠ ".

• وحول أرتباط كركوك وكوردستان بالعراق ، يذكر بانه حتى عندما تم تأليف الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الرحمن النقيب في ٢٥ | تشرين الأول | ١٩٢٠ إلى ٢٣ | ٨ | ١٩٢١ لم ترتبط كركوك وتوابعها وباقي المناطق الكوردية بالحكومة العراقية المؤقتة إدارياً وذلك حسب معاهدة سيفر ، وبقيت هكذا حتى بعد تتويج فيصل ملكاً على العراق .

• ويشرح لنا الدكتور كمال مظهر بإسهاب ما دار في مؤتمر القاهرة الذي حدد فيه مصير العراق وكردستان، ننقل هنا وبشكل موجز بعض ما جاء في الكتاب حول المؤتمر ... عقد مؤتمر القاهرة من ١٢ |آذار | ١٩٢١ إلى ٢٤ | آذار | ١٩٢١ في القاهرة والجلسة الثانية في القدس وأستمرت لغاية الثلاثين منه ... وجرى الإتفاق في المؤتمر, التعامل مع كوردستان على ضوء مؤتمر سيفر وقال الميجر يونك وكذلك الميجر نوئيل ، أن يمنح الكورد حكومة لإدارة أنفسهم وحتى لوارنس الذي كان متعاطفاً بشدة مع العرب ، كان رده على سؤال وجهه أليه جرجل حول الموضوع يتطابق مع الآخرين ، وقال : " أن من رايه يجب أن لا يودع الكورد تحت أشراف حكومة عربية" ... وكان رأي جرجل ايضاً هو تأليف حكومة كوردية .... وعندما سئل جرجل الميجر نوئيل عن الحدود الفاصلة بين المناطق العربية والكوردية . أجاب : أنها تمر بمحاذاة سلسلة جبال حمرين . أما بالنسبة للنظام الكوردي المقترح أكدت المس بل ، ضرورة فصل مدينة الموصل وحدها عن المنطقة الكوردية .

• ويشير مؤلف الكتاب ، إلى أنه من الملفت للنظر هو كتمان الكثير من الحقائق أو شوهت جوانب منها عن جهل أو عن قصد من قبل المؤرخين العراقيين وغيرهم ، ويشير إلى المؤرخ العراقي المعروف عبد الرزاق الحسيني حول ذلك . حيث أكد المؤتمرون في القاهرة على أحترام المشاعر الكوردية وتشكيل ليفي كوردي وعدم وقوع الكورد تحت الحكم العربي المباشر . بينما نجد الحسيني يذكر : " كان رأي أعضاء المؤتمر على القيام بمحاولة للتوثق من مدى رغبة الكورد الأندماج في المملكة العراقية أو الأنفصال عنها , الجزء الأول صفحة ٥٤ ـ ٥٥ ".

• وكذلك يذكر: لم ينفذ من توصيات مؤتمر القاهرة شئ يذكر بالنسبة لكوردستان ، وذلك بسبب عدة عوامل ، وياتي في مقدمتها موقف الحركة القومية الكوردية من الوجود البريطاني ، وكذلك العامل الذاتي المتمثل بعدم أتفاق الكورد، ومن العوامل الأخرى التي أدت إلى عدم تطبيق توصيات مؤتمر القاهرة هو أن بيرسي كوكس نفسه لم يكن لديه موقف ودي أتجاه القضية الكوردية في العراق عموماً .. ومن ثم الخطر البلشفي القادم ، وكذلك أنتصار الحركة الكمالية في تركيا في وقت أقامت الحركة الكوردية العراقية علاقات مباشرة مع الكماليين ، بينما كان جرجل يحبذ إقامة حاجز كوردي بين العرب والترك .

• ففي الإجتماع الذي عقده كوكس مع فيصل في أواخر تشرين الأول سنة ١٩٢١ للتداول في أبعاد القضية الكوردية وأفرازاتها المتوقعة وحضره الميجر يونك ، وكورنواليس مستشار وزير الداخلية جرى تحديد لا لبس فيه لما يقصد بكوردستان العراق بوصفها المنطقة التي تمتد " إلى الشمال من تلول حمرين " التي تفصل بين السكان العرب وغير العرب .

• في حين كان البريطانيون يشجعون الملك فيصل على الأهتمام بالشعب الكوردي وتشكيل حكومة كوردية ، كانوا في ذات الوقت يحاولون جاهدين أبعاد كركوك عن الحركة القومية الكوردية لا سيما ثورة الشيخ محمود الحفيد.

• ويقول: تبين جميع الوثائق البريطانية المبكرة المعنية بالموضوع أنه كان من المقرر أن تدخل كركوك وتوابعها ضمن " حكمدارية كوردستان الحنوبية "

• لكن السياسة البريطانية للاسباب المذكورة بدأت تتغير أتجاه القضية الكوردية وكركوك . وكانت إحدى أسباب الخلاف الرئيسية بين الشيخ محمود والبريطانيين هو موضوع كركوك وكفري ، وعندما أعلن الشيخ محمود نفسه ملكاً على كوردستان الجنوبية كانت كركوك وتوابعها تقع ضمن التنظيم الإداري الجديد الذي خطط البريطانيون لإقامته حسب اتفاق بين الشيخ والبريطانيون.

ويشير أيضاً أستناداً على الوثائق والصحف الصادرة آنذاك والمؤرخين أن جوهر مشكلة ولاية الموصل هو الواقع الكوردي والكوردستاني لكركوك وتوابعها " مع العلم أن الكورد كانوا الطرف الوحيد الذي لم يكن له نصير في ذلك النزاع المصيري ، ولم يتبّن أي من الأطراف قضيتهم " وواحدة من النقاط الجوهرية بالنسبة لموضوع ولاية الموصل هو أن البريطانيين لم يعيروا رغبات الكورد وطموحاتهم القومية أهمية ، وقد أخبر " أي البريطانيون " لجنة التحقيق مقدماً بان الأكثرية الساحقة من الكورد " ساذجة لا تستطيع التعبير عن آرائها " مع العلم أن أدمونس الذي رافق اللجنة إلى السليمانية ، يؤكد أن أعضاؤها أنذهلو حين سماعهم أجوبة من استجوبوهم هناك على الاسئلة التي وجهت إليهم " أقتصادية كانت أم سياسية " كما لاحظ الشئ نفسه في كفري ، ومن أجل توضيح الموضوع أكثر نحيل القارئ إلى المحاورة العميقة التي جرت بين الملا محمد كويي " الملا الكبير " وبين أعضاء اللجنة في أربيل ، التي دفعت رئيس اللجنة إلى القول :

" إن هذا الإنسان يليق بأن يكون عضواً في محكمة العدل بـ لاهاي وأن لم يكن حائزاً على أي شهادة رسمية جامعية " ... كما وحاول البريطانيون وعملوا ما في وسعهم من أجل أن يحولو دون أتصال أعضاء اللجنة بالممثلين الحقيين للكورد ، وفي المقدمة منهم الشيخ محمود .

نكون بهذا قد سلطنا حزمة من الضوء على بعض ما جاء في هذا الكتاب ... أنه كتاب جدير بالقراءة والتأمل، وذو فائدة جمة ومادة مهمة لكل باحث ودارس في الشأن العراقي والكوردي وكركوك، وفيه أيضاً فصولاً مهمة عن تاريخ مجئ العشائر العربية للمنطقة، وعبور قبائل شمر نهر دجلة والضغط على عشائر عبيد العربية بعبور جبال حمرين وغيرها من المعلومات التاريخية القيمة .

تجدر الإشارة إلى أن الكتاب بصفائحه الـ ٢٣٣ حمل ٥٥٤ هامش فيه أكثر من مائتي وخمسون مصدر متنوع ... وكما سننشر في وقت لاحق في فصلين منفصلين نص ما ذكر في الكتاب حول بدايات التواجد العربي والتركماني في كركوك.