bahoz_k@yahoo.com
هــونر سليم

يطارد تركيا أعماله و يضغط على كافة الدول لعدم عرض أفلامه ، تستجيب بعض الدول كما فعلت الامارات العربية المتحدة في مهرجان الدبي الأخير العام الفائت حين منعوا عرض فلمه الأخير الوادي (دول) وترفض دول عدة طلب تركيا .....
قلق تركيا ازاء فن هونر سليم (حسب زعمهم) هو الدعوة الى الانفصالية ....هذا الهاجس السخيف من تركيا منعت أفلام يلماز غوناي كما في السابق والآن هم بصدد ملاحقة فنان كردي عراقي.
ولد هونر في مدينة عقرة القريبة من الموصل ، ترك العراق ليتفرغ لدراسة السينما في ايطاليا وفرنسا ، كتبت سابقاَ موضوعاً خاصاً عن هونر في جريدة الهارموني قبل سنتين تحت عنوان (قصة هونر سليم مع السينما) ...اليكم ترجمتها:

بالرغم من الترشيحات التي سبقت المناسبة لم يحظى هونر سليم ولا أي من المشاركين معه في فلم (الكيلومتر صفر) بأي جائزة رسمية من جوائز (مهرجان كان) غير أن وزارة الثقافة الفرنسية منحت (جائزة شوفاليا) وهي جائزة تقديرية لهونر سليم لقاء الخدمات التي قدمه لثقافة شعبه.
الجائزة لم تكن مفاجئة وخصوصاً اذا عرفنا بأنه نال جائزة أحسن فلم في مهرجان البندقية الشهير عن فلمه (فودكا ليمون ) قبل سنتين.
الحديث عن صعوبة اخراج فلم سينمائي في الظروف الحالية يطول ولا ينتهي ، هاهو هونر يحدثنا كيف أنه لم يعثر على أي شخص هنا لكي يصنع تمثالاً للرئيس المخلوع صدام حسين وهو ماكان بحاجة اليه في فلمه الأخير ، وأنه حين رفض الكل الأستجابة لطلبه توجه الى أحد الفنانين في بغداد وأقنعه بعمل التمثال ولكن رجال الأمن القوا القبض عليه قبل أن يكمل عمله ، هذه نقطة من بحر المشاكل التي تواجه مخرجي الأفلام السينمائية هنا ، ولكن يبدو أن حلم هونر الذي راوده منذ الطفولة كان أكبر من كل المعوقات ، لذا أصر على تحقيقه.
يروي هونر بأنه حين كان طفلاً كان يتابع التلفزيون مع سائر أفراد عائلته وكان يغضب حين يرى بأن هذا الجهاز غير قادر على التكلم سوى باللغة العربية وسأل نفسه لماذا هذا الجهاز يتكلم العربية فقط بينما انا في كردستان؟
لذا أقسم بأنه يوماً ما سبجبر الجهاز على التكلم باللغة الكردية ولم يكن يومها فكرة السينما قد بادرت الى ذهنه ، بل فكر وقال بأن عليه أن يدرس الكهرباء!
بين حلم هونر و الظروف المحيطة به لتحقيق حلمه كان هناك مدى شاسع وزمن طويل ترك خلالها بلده متوجها الى ايطاليا ثم فرنسا لدراسة السينما.
يتذكر هونر طفولته ويقول "ذكرياتي عن كردستان كلها بيضاء باستثناء لباس والدتي الاسود." هل يقصد بـ"بيضاء" الفرح؟ ام الضبابية؟ لا يجيب يكتفي بالقول "الاسود هو كل ما اورثنا إياه نظام العراق."
ولكن حتى داخل هذا الضباب لم ينسى هونر والده المقاتل ضمن صفوف الثورة كيف كان يقرأ لهم القصص داخل المغارات قبل أن يخلدوا الى النوم كما لم ينسى كيف أن السلطات القمعية أعتقلوا شقيقه وارسلوه الى الجبهة الأيرانية وكيف أن هذا الحدث الأخير ألهمه سيناريو فلم (الكيلومتر صفر) .


هونر يتوسط بطلي فلم الكيلومتر زيرو
نظمي كيريك ويلسيم بلجينع
من الجدير بالذكر بأن هونر قد جمع كل ذكرياته وطبعه في كتاب تحت عنوان (بندقية والدي) ليترجم الى أكثر من ٢٠ لغة عالمية.
يمتاز أفلام هونر بتشاؤم كبير وسوداوية قاتمة لا تضيء عتمته سوى الكوميديا المصاحبة له ، ربما من هنا كان اعجاب الكثير من النقاد بأفلامه .
في نهاية فلمه (الكيلومتر صفر) نرى (اكو) بطل الفلم وهو جالس في بيته بفرنسا يشاهد سقوط تمثال صدام و يستشعر فرحاً بذلك غير انه لا ينسى أن يقول ( ماضينا حزين وحاضرنا تراجيدي ولكن ومن حظنا ليس لدينا مستقبل ) حين أخرج هونر اولى أفلامه بعنوان (تعيش ماريا ...والحرية لكردستان) وجهت له انتقادات شاسعة من قبل الجالية الكردية في اوربا متهمين اياه بتشويه صورة المهاجرين في أوربا وفي المقابل كان هناك عائلات كثيرة ترى في قصة الفلم المرآة الحقيقية لوضعية العائلات المهاجرة في اوربا ، استطاع هونر في أفلام اخرى أن يتجاوز الحدود الجغرافية ، فعلى الرغم بأن في فلمه (فودكا ليمون) الأحداث تقع في قرية كردية نائية في ارمينا ابان سقوط الاتحاد السوفياتي كتب عنه احد النقاد من امريكا الجنوبية يقول اعجاباً بالسيناريو ( لا أشعر بأن تلك الأحداث تقع هناك في ارمينيا بل هنا في أمريكا الجنوبية الآن). في هذا الفلم يلقى هونر الضوء على الأحوال الاقتصادية والجتماعية لقرية نائية في احدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بعد سقوط الاشتراكية ، في هذه القرية النائية المغطا ة بالثلج ، نتعرف الى شخصيتين قادمتين من الماضي تجمعهما علاقة من خلال زياراتهما المتكررة الى مقبرة القرية ..... رجل عجوز وأمرأة منكوبة .....هو يرتاد قبر زوجته .....وهي ترتاد قبر زوجه ....يتعرفان الى بعضهما البعض ...وتنشأ علاقة روحية بينهما ....علاقة تملؤها العاطفة وتشوبها الكثير من صعوبات الحياة الأقتصادية ، هناك أيضاً خيط من ضوء الأمل .... انه رفيع جداً ....يحاول هونر من خلال هذا الأمل القليل أن يربط القرية الباردة والشخصيات الموجودة بدفء الحياة ، ولا ينسى هو أبداً أن يدرج بعض الكوميديا من خلال مشاهد بسيطة حتى أصبح هذا النمط جزء من اسلوبه المتكرر في كل أفلامه.

في فلمه الأخير (الكيلومتر صفر) الكوميديا حاضر ، التواصل مع الحياة حاضر ...المشاهد والصور البسيطة حاضرة مرة اخرى. (اكو) الشخصية الاولى وبطل الفلم امله الوحيد في الدنيا هو النجاة بنفسه وعائلته من خلال ترك العراق والسفر الى أوربا .....الفكرة تعارض بشدة من قبل زوجته ...كيف لا وهي لاتستطيع أن تترك والدها المعوق لوحده يجابه الموت......في هذه الأثناء لهيب الحرب المشتدة على طول الحدود العراقية الايرانية تصل الى قريتهم .... ليساق هو الى الجبهة ...الى حرب لايؤمن بها ....في الجبهة يحاول جاهداً أن يتعرض لأصابة عله يحظى ببعض الأستراحة في البيت ....لا تفلح محاولاته تلك ولكن في حدث غير متوقع تصدر له الأوامر باعادة جثة جندي الى عائلته في كردستان بصحبة سائق عربي..... الطريق طويل جداً يجبر الأثنان على البقاء مع بعضهما البعض لليالي وأيام عديدة ....السلطات الحكومية لا تسمح بعبور الجثث نهاراً من خلال المدن لكي لا ينهار معنويات الناس وهكذا يضطرون الى التوقف نهاراً والمضي ليلاً وهذا مايجعل الطريق أطول .... هذا السفر الطويل يفتح أبواب حرب غير معلنة بين الكردي والعربي يتبادلون الانتقادات فالشتائم ثم العراك ...الى أن يصل الى مرحلة يسئل فيها العربي (لماذا تكرهوننا أنتم الكرد؟) فيجيبه الكردي على الفور (بل قل لي لماذا تكرهوننا أنتم أيها العرب؟!) ...الأحداث يظهر هذا الحقد الدفين الذي يضمره الجانبان من دون مبرر منطقي.
لا ينسى هونر أن يحشر مشاهده الكوميدية في الفلم مثل المشهد الذي يقود فيه اكو سيارة الاجرة التي تحمل نعش الجندي قريبا جدا من قرية اخرى.
وعندما ترى امرأة ثكلى النعش ترفض ان تصدق ان الرجل الذي قتل في المعركة ليس زوجها .
يقول هونر سليم : هذا الحس الفكاهي ساعدنا على البقاء ولولاه لما كنا أحياء لحد الآن !
(الكيلومتر صفر) كما يظهر من عنوانه يشير الى حياة جامدة يقول هونر سليم : اسم (الكيلومتر صفر) "يشير الى حقيقة اننا ما زلنا في نفس المكان... فالعراق أُنشئ منذ نحو ٨٠ عاما ولم تتخذ البلاد خطوة واحدة الى الامام."
بين صفر كيلومتر الحياة هنا واستمرار حركته في العالم هل يستطيع أن يحرك هونر سليم كيلومتر حركته الفنية ؟! هونر هو الوحيد الذي يستطيع أن يجيب عن السؤال جواباً بعيداً عن منطق بطل فلمه حين يقول ( ماضينا حزين وحاضرنا تراجيدي ولكن ومن حظنا ليس لدينا مستقبل ).

المصدر : منتدى نغم