bahoz_k@yahoo.com

* نصف القمر *
أول فيلم كردي يعرض في العراق



بقلم د.جمال حسين
٢٥ / ١١ / ٢٠٠٧


انقر على الصورة
لمشاهدة الفلم
* نصف القمر * هو أول فيلم كردي يعرض في العراق، افتتح عرضه في السليمانية وأربيل ويتوقع أن يعرض في بغداد وهو ما أسعد مخرجه بهمن قوبادي الذي يعتبر صوت الكرد السينمائي الطامح إلى وصول أفلامه إلى كل قرية كردية، ونظرا إلى عدم وجود صالات سينما هناك ولا مسارح سيعتمد على منظومة الفيديو النقال لعرض أفلامه في الأماكن الكردية العامة.

يوظف قوبادي بطريقة فذة مقطوعة موزارت - قداس جنائزي - ليقدم موتزارت الكردي الذي يحاول العودة إلى وطنه بمناسبة سقوط نظام صدام ليحتفل في قريته القديمة فيحطم حرس الحدود آلاته الموسيقية، غير أن الموسيقار العجوز يموت ويحرك جثته بموسيقاه - لقد عادت إليه الحياة بعد سماعه الغناء العذب - لكن الطبيب يؤكد موت الموسيقار العجوز.
يقدم قوبادي في هذا الشريط رحلة مدهشة بالغة العذوبة عبر المناظر الطبيعية الوعرة والمخيفة في كردستان الإيرانية ويقتنص الصور الساحرة وكأنه يريد القول بأن المكان جميل، لكن من المستحيل العيش فيه وكذلك المطاردات والمصير المأساوي والكوميديا من أناس عاطفيين لحد الهذيان حيث يمثل القمر لدى قوبادي الجانب الأكثر مأساوية وكإحساس بقبول المصير.
ليس غريبا أن يفتتح مهرجان فيينا في الذكرى ال ٢٥٠ لموزارت في هذا الشريط وأن يحصد العديد من الجوائز العالمية باستخدام موسيقى موزارت كإلهام للموسيقار الكردي مامو ( إسماعيل غفاري ) الذي يجسد روح موزارت منتظرا سبعة أشهر للحصول على رخصة أداء حفلة موسيقية في كردستان العراق التي لم يشاهدها لمدة ٣٥ سنة حيث عزف فيها آخر مرة. ولأن حفلته بحاجة إلى امرأة مغنية وهذا الأمر ممنوع في إيران لذا عليه أن يهرب هيشو (هداية طهراني) عبر نقاط التفتيش وحرس الحدود الخشنين محاولا المرور بحلمه في حافلة مدرسية كل خطوة تمر عبر عقبات لا تحصى.
سيطلق النار على الحافلة وستتحطم الآلات الموسيقية وسيموت صديق مامو القديم قبل أن يصل إلى قريته بساعات وهنا لا يهم الاهتمام بالشروط الواقعية للسينما حيث يستنفد كل أمل وتهيم الموسيقى الكردية طبيعيا في الأنحاء المختلفة موزعة بعدل على الناس السيئي الحظ.
ان سيناريو الفيلم يعتمد على سيناريوهات أفلام قوبادي السابقة، ثرية في الموسيقى، لكنها أقل تعلقا بالجغرافيا الكردية كأفلامه السابقة، وبدلا من أن يتحدث عن التعب المذل الذي يعانيه الأطفال العاملين عند الحدود والوضع الصحي المتردي وضحايا الحرب، يقدم في - نصف القمر - قصة حب تعد خيالية في زماننا، قصة في مديح الموسيقى.. مديح الحب في غضون مناصفة الأسلوب الشاعري والعلاقات المتعددة: الموسيقى، المرأة، الملاك، السماء والموت هذه العناصر التي أعطت السمة الروحية للفيلم الذي يقدم القمر كاستعارة للجمال، لكنه لا يتعامل معه كما فعل في -زمن الخيول السكرانة- حين جعله يطير دون أن يترك انطباعا عاطفيا عاليا، بل جعله يسكن في أعماق الأشخاص الخائبي الأمل وهم يتوسلون للطبيب أن يخبرهم بأن صديقهم حي في وقت كان فيه الجنود يحطمون آلاته الموسيقية.

زمن الخيول السكرانة

انقر على الصورة
لمشاهدة الفلم
أنه فيلم رائع ومظلة روحية ـ عاطفية مشتعلة من الصعب تصوير مثيل لها، يدور حول مجموعة من الأطفال الكرد يعيشون أقل مستوى من الفقراء بكثير عند الحدود العراقية ـ الإيرانية يحاولون الحصول على شاحنة تقلهم إلى العراق للعمل هناك في السوق أو كمهربين صغار، ينقلون الإطارات الثقيلة تحت الثلج والبرد اللئيم وتحت شروط فظيعة للعمل. ينسج قوبادي هنا صور الكوميديا السوداء الفائقة الذكاء حاملة السخرية والألم الطبيعي والوفاء وبنظرة ثاقبة تصل إلى المستوى الرائع لأشرطة السينما الإيرانية التي تناولت قضية مشابهة - ستحملنا الريح - للمخرج الإيراني عباس كيروستامي و - سبورات سميرة - للمخرج الشهير مخملباف و - أطفال السماء - لماجد ماجدي الذين تناولوا قضية الأطفال المسحوقين ووطأة العمل الصعب.

الخرافة والمراوغة
غير أن قوبادي تعامل مع الأطفال في هذا الفيلم مستغلا الخرافة والمراوغة في طرح أفكاره محركا الأطفال بطريقة مبدعة تلاعب فيها أكثر مما كانت تجري عليه الحال في السينما الإيرانية، فآباؤهم الموتى ووساختهم الطبيعية التي لا توصف والإرهاق الموجع الذي ينال منهم كان بسبب الحصول على مال يكفي لإجراء عملية لشقيقهم المعوق - مادي - الذي عليه أخذ حقنة يومية، فيضطرون إلى حمله في سلة على ظهر بغل في مشاهد فيها من الأسى المرير ما يكفي والقبول الصامت للوجع المتأصل في قلوبهم والدموع القاسية التي عكسها قوبادي كل ثانية لغاية النهاية التي ترتطم فيها الأحداث السياسية مع عالم صغير شديد التآكل، حيث يتم إطلاق النار على خيولهم السكرانة في تصوير سريالي يقترب من الوقائع الحربية التي قدر على الأطفال المرور في عمق رذالتها بلغة سينمائية عنيفة الجمال واضحة بصلابة دافقة وكريمة البذل تحمل المشاهد بلا أدنى شفقة لأن تجعله في هذا النوع من الأفلام الواقعية يدرك كم هي الحرب منحطة ليست لكونها بائسة وتتحكم في مصائرنا فحسب، بل في أننا نختارها كواحدة من الحلول لأنفسنا.

نوع الحزن
إن إبداع قوبادي في هذا الشريط وغيره ينحصر في تقسيمه للحزن لأنواع وكفكرة لكل شخص يعانيه حتى في الأوقات الطيبة النادرة، وإدهاشه أنه لا يسقط المشاهد في ميلودراما مباشرة، كما لو كان يتحدث عن أناس يعيشون الفاقة ولديهم ولد يعاني من مرض عضال كما عودتنا السينما حتى الهوليودية منها، إنه يضيف إلى الحزن عناصر أخرى: الطمع والأنانية والوحشية والمناخ القاسي والطبيعة القاحلة والكمائن والألغام الأرضية وبذلك يملك زمام كل المكونات الملحمية متفاديا الفخاخ التي يمكن أن تسقطه فيه مادته المكتوبة ويقدم فيلما لا صراخ فيه، غير أنه يؤجل بكاء المشاهد إلى حين يستقر فيه القلق الدائم.

الملمس الوثائقي
تشتق قوة أفلام قوبادي من أنها ذات ملمس وثائقي، لكنها ليست على هذا النحو واعتمادها على ممثلين هواة، فخورين ومقتنعين بالدور الذي يؤدونه في السينما ويحقق بذلك ـ من وجهة النظر هذه ـ الرسالة بأن ما يراه المشاهد حقيقة، وهذا أعظم مبدأ في السينما.
أنه يقدم الناس الذين نراهم في التلفزيون عندما يكون هناك حرب ويظهرون في نشرات الأخبار كإحصائيات أو صور متفرقة في غضون تغطيات صحافية خلال تقديم المنظمات الإنسانية المساعدات للقرى الكردية النائية، هؤلاء الناس الذين يتسلى بهم أطفال مثلهم في العالم عبر البلاي ستيشن.

السلاحف يمكنها الطيران

انقر على الصورة
لمشاهدة الفلم
يصور هذا الفيلم مخيم لاجئين كرد على الحدود العراقية ـ التركية فيه الكثير من السياسة والحرب، وكعادته لا يعتمد قوبادي على ممثلين محترفين، فصوره القوية تتكلم بقوة عاكسة القمع الإنساني في ذلك الجزء المنسي من العالم حيث يتحدث إلى الشرطة التركية حينما يجهزون عليه: أنا لا أعرف سوى كلمة تركية واحدة: أحبك! مع ذلك رفسوه وضربوه وأخذوا آلاته وذبحوا ديكه لأن فيه انفلونزا الطيور ورغم ذلك أكلوه أمام عينيه.
شريط فائض المعلومات لمن لا يعرف - القضية الكردية - ومقدم للغرب على الأرجح، فحوادثه البسيطة مرتبطة بالكوارث الواسعة النطاق التي تعرض لها الشعب الكردي، كأنه رسالة إلى العالم يعرض فيها ما آلت إليه أوضاع الكرد وكم يقف العالم عقيما في معالجتها، وهو من وجهة النظر الفنية يقدم المعلومات أكثر من اللازم في شريط سينمائي غير مجدول للعرض مع نشرات الأخبار.
ورغم ذلك فيه حمل زائد صوت وصورة للحقائق التي يريد قوبادي من العالم أن يمتصها ظاهرا كنصير لقضية شعب وكقمر صناعي ينقل للعالم الآخر ما يحصل من وجع كردي.
الكثير من اللاجئين المعدمين عند الحدود العراقية ـ التركية قبل بداية حرب إسقاط النظام العراقي يحاولون معرفة ما يجري فيستبدلون الألغام الأرضية بصحون القنوات الفضائية لكي تسمح لهم المعلومات بالبقاء والتحرك.
كل من ظهر في الشريط يبدي ألمه على ملامح وجهه ويتعمد قوبادي في صوره المقربة على الوجوه لتصوير معاناة شعب كامل تنتقل مراحله كالتالي: الأمل ثم التحرير ثم الانتحار.
معالجة قوبادي للتدخل الأميركي في العراق حتى القبض على صدام خالية من التعقيد الاجتماعي - السياسي ويمكن اعتباره غير معاد للأميركان، لكنه يشير بلا لبس إلى أن الأميركان استغلوا الكرد في نزاعهم مع صدام ويمكنهم تركهم مجددا يواجهون مصيرهم لوحدهم.
إذن لا يوقر قوبادي أحد في هذا الفيلم، في الوقت نفسه لا يتجاسر في طرح قضيته كما أفلامه السابقة ولا يحاول فرض نهاية سعيدة وكما جرت العادة لا ممثلين محترفين، أنهم لاجئون في منتهى البساطة لعلهم لم يروا صالة عرض سينمائي في حياتهم.
هي فرصة لتصوير تأثير الحرب على الأطفال والحروب المستمرة التي وجهتها ضدهم وحدات صدام العسكرية بشكل مستمر وخلاصته منحصرة في ارتباط السينما الإيرانية بتجربة اللجوء إلى عالم ليس لهم مكان فيه.

المصدر : موقع خاك