bahoz_k@yahoo.com
المجزرة الأرمنية ١٩١٥ والرد الأمريكي
هاربير كولينز - نيويورك ٢٠٠٢، عدد الصفحات ٤٧٥

جريدة "البيان"، دبي، ٨ مارس ٢٠٠٤
مؤلف الكتاب : البروفيسور بيتر بالاكيان


كتاب عن أكبر مجازر التاريخ ولاتزال تركيا ترفض الاعتراف بمسئوليتها عنها حتى الآن. مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور بيتر بالاكيان الحائز على شهادة الدكتوراه من جامعة براون حول موضوع الحضارة الاميركية، كما ان استاذ الاداب والفلسفة الانسانية في جامعة كولفيت بالولايات المتحدة.

نشرت صحيفة « نيويورك تايمز » الاميركية هذه الصورة في ٧ أكتوبر ١٩١٥ في خضم حملة الاتراك العسكرية ضد الارمن.

في هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن مجزرة الارمن على يد الامبراطورية العثمانية، وهي من اكبر المجازر التي حصلت في التاريخ ولاتزال تركيا ترفض الاعتراف بمسئوليتها عنها حتى الآن.

يتألف الكتاب من اربعة اجزاء، وكل جزء ينقسم الى عدة فصول.

فالجزء الاول يتحدث عن انبثاق حقوق الانسان على المستوى الدولي في اميركا. ويدرس مجزرة الارمن الاولى التي حصلت عام ١٨٩٥ على ضوئها وهنا توجد عدة فصول. من بينها فصل مخصص لدراسة الموضوع التالي: السلطان العثماني والمسألة الارمنية. ثم يتحدث عن البعثات الاميركية التي ذهبت لتقصي الحقائق عن المجزرة في تركيا ذاتها.

أما الجزء الثاني من الكتاب فيتحدث عن فترة ما قبل المجزرة بقليل ويحمل العنوان العريض التالي: في الطريق الى المجزرة، وهنا نلاحظ عدة فصول، من بينها فصل يتحدث عن صعود جماعة تركيا الفتاة، ونص آخر بعنوان: أضنة ١٩٠٩، الثورة المضادة والمجزرة، ثم فصل بعنوان: حروب البلقان والحرب العالمية الاولى والطريق المفتوح الى المجزرة. ومعلوم ان السلطات التركية استغلت اندلاع الحرب العالمية الاولى كغطاء من اجل القيام بالمجزرة دون ان يعرف بذلك احد اما الجزء الثالث من الكتاب فيتحدث عن الشهود الاميركيين على المجزرة، هذا في حين ان الفصل الرابع والاخير يتحدث عن سبب فشل البعثة الاميركية لتقصي الحقائق هناك. منذ البداية يقول لنا المؤلف ما معناه: كانت الامبراطورية العثمانية متسامحة نسبياً مع الاقليات الدينية. ولكنها أصبحت متشددة اكثر فأكثر كلما اقتربت من نهاياتها وشعرت بالانحطاط والعجز. سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. وعندئذ تدخلت القوى العظمى الاوروبية لمنعها من اضطهاد الاقليات المسيحية وعلى الرغم من ذلك فإن المسلمين اصبحوا يحقدون على الاقليات المسيحية ويفكرون بالبطش بها وبخاصة في منطقة الاناضول الشرقية حيث كانت تسود الفوضى الى حد كبير. واضطر الارمن عندئذ الى حمل السلاح عامي ١٨٥٩ و ١٨٧٥ من اجل الدفاع عن انفسهم.

ولكن السلطان عبدالحميد قرر اضطهاد الارمن قبل ان ينالوا استقلالهم كما فعل الاغريق والبلغاريون وهكذا ابتدأت المجازر بين عامي ١٨٩٤ ـ ١٨٩٦ وفي مناطق الاناضول الشرقية على وجه التحديد. ويقال بأن هذه المجازر ادت الى قتل ما لا يقل عن مئة وخمسين ألف ارمني وعندئذ تدخلت القوى العظمى لمنع استمرار المجازر واتخذت مجموعة من القرارات في مؤتمر برلين المكرس لهذا الغرض، وفي ذات اليوم هجم ستة وعشرون مقاتلاً أرمنياً على البنك العثماني في اسطنبول واحتلوه. وحققوا بذلك اول عملية للارهاب الاعلاني في العصر الحديث وسوف يقلدهم في ذلك الكثيرون لاحقا. ولكن الغوغائية التركية هاجمت وهجمت على الاحياء الارمنية الموجودة في العاصمة وقتلت ما لا يقل عن سبعة آلاف ارمني على مرأى ومسمع من الدبلوماسيين الاوروبيين. ثم يردف المؤلف قائلاً: وعندئذ عرفت القوى العظمى ان سياسة الاصلاح في الامبراطورية العثمانية قد فشلت ولهذا السبب فإنها حيت الثورة التي ادت الى خلع السلطان العثماني عبدالحميد عام ١٩٠٩، وكان ذلك على يد جماعة تركيا الفتاة ولجنة الاتحاد والترقي. واعيد الدستور الى البلاد من اجل صيانة الناس والحريات.

ولكن الفرحة لم تدم طويلاً، فقد اندلعت المجازر من جديد وادت الى مقتل ٢٠ الف ارمني في اضنة، وهكذا سارت جماعة تركيا الفتاة «التقدمية» على خط السلطان الرجعي عبدالحميد! ولم يتغير شيء يذكر بالنسبة للارمن. والواقع ان الحكومة الجديدة راحت تتبع سياسة التتريك القاسية على الشعوب الاخرى للامبراطورية العثمانية، وعندئذ طالب الوفد القومي الارمني والمكتب القومي الارمني القوى العظمى الاوروبية بالضغط على تركيا لايقاف المجازر وهذا ما كان وقد ارسلت هذه القوى العظمى وفداً الى تركيا لتقصي الحقائق في يوليو من عام ١٩١٤. ولكن اندلاع الحرب العالمية الاولى لم يتح للوفد الفرصة لكي ينجز مهمته وباندلاع الحرب اصبح الارمن محصورين بين القوتين العدوتين: روسيا القيصرية من جهة، وتركيا العثمانية من جهة اخرى، وعندئذ انضمت القوات الارمنية الى روسيا ضد تركيا وكان عددها ١٨٠ الف رجل وهذا ما ازعج تركيا كثيراً فقررت التخلص من الارمن جملة وتفصيلاً باعتبارهم طابوراً خامساً وقرر قادة تركيا الفتاة ومن بينهم طلعت باشا وجمال باشا طرد السكان الارمن من اراضيهم الى صحراء سوريا والعراق ثم يردف المؤلف قا ئلاً: وابتدأت المجزرة الكبرى فعلا بتاريخ ٢٤ ابريل ١٩١٥ ، ففي ذلك اليوم المشهود اعتقلت السلطات التركية ستمئة زعيم ارمني في اسطنبول وصفتهم جسدياً عن بكرة ابيهم! وسرح كل الجنود الموجودين في الجيش التركي من أصل أرمني ثم ارسلوا الى الاعمال الشاقة وقتلوا هناك.

ثم تلقى الارمن العائشون في منطقة الاناضول الشرقية انذاراً بمغادرة منازلهم خلال اربع وعشرين ساعة وإلا قتلوا عن بكرة ابيهم وعندما خرجوا من قراهم تمت تصفية كل الرجال الاصحاء وسمح فقط للنساء والاطفال والشيوخ بالهرب سيراً على الأقدام مسافة مئات الكيلومترات دون غذاء أو دواء. وفي اثناء الطريق اغتصبت نساؤهم ونكل بالباقين حتى قتل معظمهم بشكل أو بآخر. وانضمت القبائل الكردية والتركمانية الى الجنود العثمانيين من اجل التنكيل بالارمن. وخلال عام أو اكثر قليلاً قتل ما لا يقل عن مليون ارمني: اي نصف عدد سكان الارمن العائشين في ظل الامبراطورية العثمانية اما الاتراك فلا يعترفون بقتل اكثر من ثلاثمئة الف شخص، ويرفضون القول بأن العملية قد تمت بتخطيط أو سابق قصد واصرار. ويحتجون قائلين: بأن الاوبئة انتشرت في فترة الحرب وادت الى موت الارمن! بالطبع لا احد يصدق المزاعم التركية. والواقع ان شهادات الدبلوماسيين الاميركيين والالمان تدين السلطات التركية بشكل قاطع وتدل على ان العملية كانت مدبرة. ثم كان سقوط القيصر الروسي نقولا الثاني كارثة جديدة على الارمن فقد تركهم وحيدين في مواجهة الاتراك، وهكذا اكتملت مأساتهم ولاتزال المجزرة تلاحق المسئولين الاتراك حتى هذه اللحظة، فلجان حقوق الانسان دعتهم اكثر من مرة الى الاعتراف بها، ولكن عبثا

والواقع انه يوجد شبه اجماع بين مؤرخي العالم كله على ادانة الحكومة التركية في ذلك الوقت اي عامي ١٩١٥ـ ١٩١٦ باعتبار انها ارتكبت اول مجزرة كبرى في تاريخ القرن العشرين، وفي عام ١٩٧٩ وجهت لجان حقوق الانسان نداء في جنيف الى الجماعة الدولية بأسرها وكان مما جاء فيه : لقد حصلت مجزرة كبرى في ظل حكومة تركيا الفتاة عام ١٩١٥ وذهب ضحيتها مالا يقل عن مليون ونصف ارمني وهذه المجزرة اصبحت الآن حقيقة تاريخية لا يرقى اليها الشك . وقد تمت تصفيتهم بشكل وحشي لاسباب طائفية وعرقية وثقافية واقتصادية، انها مجزرة ضد الانسانية نظرا لضخامتها وعدد ضحاياها

ولكن الحكومة التركية تضغط بكل ثقلها بمنع الحقيقة من الظهور وهي تفعلكل شيء للتنصل من مسئوليتها بل انها ضغطت على المستشرق المشهور برنارد لويس او رشته لكي يغير موقفه ومعلوم انه كان قد صرح بان الاتراك ارتكبوا في حق الارمن ابشع مجزرة في التاريخ، وقد ذهب ضحيتها مليون ونصف على اقل تقدير . ثم فجأة راح يتراجع عن موقفه وينكر حصول المجزرة! وقد حوكم من قبل احدى المحاكم الفرنسية بسبب موقفه الغريب هذا. مهما يكن من امر فان الاتراك يوردون اربع حجج للتقليل من خطورة المسألة او لنفض ايديهم منها، فأولا هم يقللون من عدد الضحايا وثانيا يقولون ان تهجيرالارمن كان اجباريا اثناء الحرب ولا حيلة لهم به وثالثا فانهم يعكسون الآية ويتهمون الأرمن بقتل الاتراك ورابعاً فانهم ينكرون ان تكون المجزرة قد حصلت عن سابق قصد وتصميم.

والواقع ان الموضوع الاساسي يكمن في السؤال التالي: هل قام الاتراك بالمجزرة عن سابق قصد وتصميم ام لا؟ الاتراك يقولون لا بالطبع ويحتجون بالمسألة التالية: وهي ان الارمن كانوايهددون الجيش العثماني اثناء الحرب العالمية الاولى ولذلك لزم تهجيرهم من مناطقهم،ولكن الحقيقة غير ذلك بالطبع، فالواقع ان خطر التصفية كان مسلطا على رؤوس الارمنبدءا عن نهايات القرن التاسع عشر فقد صرح احد قادة الامبرا طورية العثمانية آنذاك قائلا : ان الامبراطورية مضطرة لتصفية الارمن من اجل تأمين مستقبلها والمجازرالتي حصلت في نهاية القرن التاسع عشر وحصدت ثلاثمئة الف ارمني تؤكد صحة هذا القول،وبعد ذلك راحت الجماعات التركية المتشددة او القومية المتعصبة تمشي في هذا الاتجاه.

وكان الهدف في البداية تهجير الارمن من مناطقهم بشكل جماعي الى العراق ثم جلب الاتراك من المناطق الروسية للحلول محلهم وبالتالي فقد كانت عملية تطهير عرقي لا اكثر ولا اقل.

ثم يضيف المؤلف قائلاً: في العقود الاخيرة دعيت مجزرة الارمن بالمجزرةالمنسية لان الانظار تركزت فقط على مجزرة اليهود اي الهولوكست وهذا ظلم، فالارمن حرقوا حرقا على يد الجيش العثماني وألقيت اجسامهم في الوديان العميقة او في مياهدجلة والفرات او على هوامش القرى والارياف ويمكن القول بأن اول رد على هذه المجازر الفظيعة كان هو الرد الاميركي. فقد ابتدأ منذ اللحظات الاولى اي منذ عام ١٨٩٠ واستمر حتى عام ١٩٢٠، وقد تشكلت اول لجنة لحقوق الانسان في العالم لهذا الغرض وبالتالي فلا يمكن القول بان الاميركان نسوا مجزرة الارمن واهملوها وقد قال الرئيس هيربرت هوفر ما يلي: ان اسم ارمينيا محفور في صميم العقل والذاكرة الاميركية. وقد بذلت اميركا كل ما في وسعها آنذاك لانقاذ الارمن من براثن السلطنةالعثمانية وجلاديها ولكنها لم تستطع ان تنقذهم جميعا لانها لم تكن قد اصبحت بعد قوة عظمى، فالقوى العظمى آنذاك كانت اوروبية: اي انجلترا بالدرجة الاولى ثم فرنساوالمانيا وروسيا.

ثم يضيف المؤلف قائلاً : ولكن ماذا فعلت اميركا لانقاذ ضحايا مجزرة بول بوت في كمبوديا عام ١٩٧٨ ؟ بل وماذا فعلت لانقاذ ضحايا مجازر راوندا عام ١٩٩٤ ؟ ألم تكن وزارة الخارجية عالمةبما يحصل هناك فلماذا لم تتحرك يا ترى؟ في الواقع ان مصالح اميركا لم تكن مهددة في هذه المناطق ولهذا السبب فانها لم ترد ان تخاطر بجنودها من اجل الكمبوديين او الروانديين. لكن يبقى صحيحا القول بأن مجزرة الارمن هي اول مجزرة في القرن العشرين وكل المجازر التي جاءت بعدها كانت تقليدا لها.. من هنا تأتي اهمية المجزرة الارمنيةوضرورة دراستها بعناية واعطائها المكانة التي تستحقها. ثم يردف المؤلف قائلاً: ان المجزرة الارمنية التي حصلت عام ١٩١٥ كشفت عن بطولة المسئولين الاميركيين بدءا من القناصل الموجودين في المنطقة، وانتهاء بالسفيرالاميركي الموجود في اسطنبول هنري مورجنتو، والواقع ان مسئولي وزارة الخارجيةالاميركية جازفوا بحياتهم احيانا من اجل انقاذ الرجال والنساء والاطفال اليتامى. لقد فعل هذا السفير اكثر مما تتطلبه وظيفته وذهب الى مكان المجزرة ونقل اخبارها الى المسئولين في واشنطن و الى الصحافة ايضا واصطدم بالمسئولين العثمانيين اكثر من مرة، واحيانا بشكل خطير وكل ذلك من اجل قضية الارمن والحيلولة دون ذبحهم كلهم وعندما ترك منصبه هناك عام ١٩١٦ صرح قائلا: ان فشلي في ايقاف مجزرة الارمن جعل من تركيا بالنسبة لي بلدا مرعبا وبشعا. وفي العشرينيات من القرن الماضي كان الرد الاميركي على مجازر الارمن ينقسم الى قسمين: قسم شعبي متحمس جدا وراغب في مساعدتهم ونجدتهم وقسم رسمي متحفظ وانعزالي لا يريد التدخل في شئون الدول الاخرى حفاظا على مصالح اميركا، نقول ذلك ونحن نعلم ان التيار الانعزالي كان دائما موجودا في اميركا بالاضافة الى التيار الامبريالي التوسعي فأحيانا ترغب اميركا في التدخل في شئون العالم، واحيانا لا ترغب في ذلك فتبقى داخل حدودها فقط.

وبعد الحرب العالمية الاولى انتصر مصطفى كمال اتاتورك على خصومه واسس الجمهورية التركية على انقاض السلطنة العثمانية واصبحت لاميركا مصالح في منطقةالشرق الاوسط بعد ظهور البترول هناك، ولهذا السبب ولكي تحافظ على مصالحها فانهاتخلت عن قضية الارمن، ولكن ليس دون ألم واحساس بتعذيب الضمير فالواقع ان المسألةالارمنية ظلت تخيم بشبحها على سياسة الولايات المتحدة طيلة القرن العشرين