bahoz_k@yahoo.com

ثورة الشيخ محمود الحفـيد في السليمانية


أولاً : نبذة عن حياة الشيخ محمود الحفيد.
ثانياً : ثورة الشيخ الحفيد الأولى .
ثالثاً : الشيخ الحفيد يعاود الثورة من جديد .
رابعاً:الحكومة تقمع ثورة الحفيد بمشاركة القوات البريطانية

*أولاً: نبذة عن حياة الشيخ محمود الحفيد

الشيخ محمود الحفيد ، ينتمي إلى أسرة كردية عريقة في السليمانية ، يرجع تاريخها إلى أكثر من ١٥٠ سنة ، وكان عميدها [ الشيخ أحمد البرزنجي] يتمتع بمركز كبير، ديني ودنيوي، في آن واحد ،حيث كان بمنزلة الولي بالنسبة للشعب الكردي،فلما توفي جده[ ا لشيخ أحمد] ،خلفه ابنه [الشيخ سعيد ]، ثم خلفه بعد وفاته الشيخ [محمود الحفيد ]،الذي أخذ نفوذه في صفوف الأكراد يتصاعد ،أبان الحكم العثماني .

ولما اندحرت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى،واحتلت بريطانيا العراق، حاولت تركيا أن تستميل الشيخ محمود الحفيد إلى جانبها ،رغبة منها في إلحاق ولاية الموصل والتي تشمل محافظات [ الموصل،وأربيل، وكركوك ،والسليمانية] بها .

إلا أن الشيخ الحفيد اتصل بالإنكليز ، بصورة سرية وتعهد لهم بالسيطرة على الحامية التركية التي كانت ما تزال باقية في السليمانية ، لقاء منحه امتيازات في إدارة شؤون المدينة ، وتشكيل حكومة كردية برئاسته ، على أن تكون تحت ظل الانتداب البريطاني .

رحبت السلطات البريطانية بعرض الشيخ محمودالحفيد ، نظراً لما يتمتع به من مركز مرموق في صفوف الشعب الكردي ، وقامت بإرسال مندوبين عنها من كبار الضباط لإجراء مفاوضات معه ، في ٦ تشرين الثاني ١٩١٨ ، لتسهيل دخول القوات البريطانية إلى السليمانية ، وقد استقبلهم الشيخ محمود الحفيد بحفاوة ، وسلمهم الحامية التركية، التي سيطرت عليها قواته .

وسارعت السلطات البريطانية إلى تعيينه حاكماً على لواء السليمانية ، ومنحته راتباً شهرياً قدره [ ٥١ ألف روبية ]، كما عينت الميجر [ نوئيل] مستشاراً له ، وشكلت نواتاً لحكومة كردية في منطقة كردستان العراق،والتي كانت قد أشارت إليها [معاهدة سيفر] وخاصة في المادة [ ٦٤ ] والتي نصت على ما يلي :  (١)

{ إذا حدث، خلال سنة من تصديق هذه الإتفاقية أن تقدم الكورد القاطنون في المنطقة التي حددتها المادة ( ٦٢ ) إلى عصبة الأمم قائلين أن غالبية سكان هذه المنطقة ينشدون الاستقلال عن تركيا، وفي حالة اعتراف عصبة الأمم أن هؤلاء السكان أكفاء للعيش في حياة مستقلة وتوصيتها بمنح هذا الاستقلال، فإن تركيا تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق في هذه المنطقة } .

لكن علاقة الشيخ الحفيد بالبريطانيين أصابها الفتور،عندما تنكرت الحكومة البريطانية لمعاهدة سيفر، حيث كان الأمل يراود الشيخ محمود الحفيد بإقامة كيان كوردي مستقل وبدأت تظهر بوادر تحرك ثوري في كردستان ،وحاول المحتلون البريطانيون تقليص نفوذه ، وإضعافه،مما دفع الشيخ الحفيد في نهاية الأمر إلى إعلان الثورة على الحكم البريطاني .

*ثانياً:الشيخ الحفيد يعلن الثورة على الإنكليز:

نتيجة لخيبة الأمل التي أصابت الشيخ محمود والشعب الكردي بوعود الإنكليز بإقامة كيان كوردي مستقل،وتنكرهم لمعاهدة سيفر، فقد بادر إلى تجميع قواه معلناً قيام الثورة ، وقام باحتلال السليمانية في ٢١ أيار ١٩١٩، بعد أن دحر القوات البريطانية،وقوات الليفي التي شكلها البريطانيون للحفاظ على مصالحهم في المنطقة، وتمكن من أسر عدد كبير منهم ، ومن الضباط الإنكليز، وأعلن تشكيل دولة كردية،وأعلن نفسه ملكا عليها ،واتخذ له علماً خاصاً بدولته .

أخذ الشيخ محمود الحفيد يوسع مناطق نفوذه في كردستان،بعد أن استطاع دفع القوات البريطانية نحو [ مضيق طاسلوجة ] و [مضيق دربند]،واستطاعت قوات السيخ الحفيد الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة من القوات البريطانية ،وقوات الليفي التابعة لهم .

واستمر الشيخ الحفيد يوسع مملكته ،حيث استطاعت قواته ضم مناطق [ رانية ] و [حلبجة ] و[كويسنجق] ، ومحاولته ضم كركوك وكفري وأربيل وأجزاء من الموصل متحدياً السلطات البريطانية وقد وقفت إلى جانبه ودعمته قبائل بشدر والجاف ، كما أن انتفاضة الشعب الكردي في كردستان الشرقية وكردستان الشمالية كانت قد شجعته كثيراً على المضي بخططه في توسيع مملكته .  (٢)

وعلى الأثر وجه المندوب السامي البريطاني دعوة للشيخ محمود للقدوم إلى بغداد لمقابلته ومناقشة القضية الكردية معه، ووعده بمعاملته بكل احترام ، لكنه عاد ووجه إليه إنذاراً في حالة عدم تلبية دعوته بأنه سيتخذ بحقه الخطوات اللازمة ، لكن الشيخ محمود رفض الحضور إلى بغداد قائلاً أن لا سبب يستدعي حضوره لبغداد ، وأن بإمكان ممثليه حل كافة القضايا المعلقة .

وسارع المندوب السامي إلى توجيه إنذار جديد للشيخ الحفيد للحضور خلال خمسة أيام وإلا فسوف تتخذ بريطانيا الإجراءات العسكرية اللازمة ضده .  (٣)

وفي الوقت نفسه كان البريطانيون قد جهزوا له قوة عسكرية كبيرة ،ضمت الفرقة الثامنة عشر، بقيادة الجنرال [فريزر] لقمع حركته،واستطاعت هذه القوات، بما تملكه من أسلحة وطائرات حربية ،أن تدحر قوات الشيخ محمود، وتعتقله، بعد أن أصابته بجروح في المعارك التي دارت بين الطرفين، وأرسلته مكبلاً ً إلى بغداد ،حيث أحيل للمحاكمة، وحكم عليه بالإعدام .

غير أن السلطات البريطانية أبدلت الحكم إلى السجن المؤبد، ثم قرت نفيه إلى الهند ،خوفاً من وقوع تطورات خطيرة في كردستان ،حيث يتمتع بمكانة كبيرة في صفوف الشعب الكردي .

بقي الشيخ محمود منفياً في الهند حتى عام ١٩٢٢، لكن البريطانيون اضطروا إلى إعادته إلى السليمانية، وسلموه زمام الأمور فيها من جديد بعد أن ساد منطقة كردستان المظاهرات من جديد وباتت تنذر بنشوب ثورة جديدة .  (٤)

لكن الشيخ محمود ما لبث أن ثار على الإنكليز مرة أخرى ،بعد أن وجد الظروف مواتية مما دفع الإنكليز، والحكومة العراقية إلى تجريد حملة جديدة ضده ،حيث استطاعت احتلال السليمانية من جديد .

لكن الشيخ محمود لم يستكن للأمر،وأخذ يستجمع قواه وينظمها، واستطاع مهاجمة الجيش المتواجد في مدينة السليمانية وطرده منها،في ١١ تموز ١٩٢٣، وبقي الشيخ محمود يحكم السليمانية مدة تزيد على العام.  (٥)

ولما تولى ياسين الهاشمي رئاسة الوزارة العراقية ،كان في مقدمة مهام وزارته إعادة السليمانية للسلطة العراقية ، فجهز حملة عسكرية ، بدعم من البريطانيين ،وبشكل خاص، قواتهم الجوية ،التي هاجمت قوات الشيخ الحفيد ،واستطاعت دحرها،وإيقاع خسائر جسيمة في صفوفها، وتم إعادة لواء السليمانية إلى سيطرة الحكومة العراقية،واضطر الشيخ محمود الحفيد عبور الحدود إلى خارج العراق ، نحو كردستان إيران،وقامت الحكومة بتعيين متصرف كوردي[ محافظ ] للواء السليمانية .

رأت بريطانيا أن إقامة دولة كردية في كردستان ،قد يسبب لها مشاكل خطيرة ، وبما أنها قد ضمنت مصالحها في العراق ،بموجب معاهدة عام ١٩٢٠ العراقية البريطانية، فقد قررت صرف النظر نهائياً عن إقامة الدولة الكردية،وضم كردستان إلى المملكة العراقية بشكل نهائي .

أما الحكومة العراقية فقد أعلنت من جانبها في محاولة لإرضاء الشعب الكردي بأنها سوف لا تعيين موظفاً عربياً في منطقة كردستان ،ما عدا الفنيين ،وأن السكان الكورد لهم الحق بالتكلم والدراسة بلغتهم الخاصة ،وأن الحكومة سوف تحافظ على حقوق السكان الدينية والمدنية ،كما جرى انتخاب خمسة أعضاء من الكورد، وضمتهم إلى المجلس التأسيسي .  (٦)

وفي شباط ١٩٢٥، جاءت اللجنة المكلفة من عصبة الأمم لبحث قضية ولاية الموصل، وأجرت دراستها للأوضاع في الولاية ،وقدمت تقريرها إلى عصبة الأمم، حيث تبنت اللجنة وجهة النظر البريطانية القاضية بضم ولاية الموصل إلى المملكة العراقية، مع مراعاة حقوق الأكراد فيما يخص اللغة الكردية،وتعين الموظفين الإداريين الكورد .

وفي تشرين الأول ١٩٢٦ أجتمع مستشار وزارة الداخلية بالشيخ محمود الحفيد،وتباحث معه في الأمور التي تخص كردستان ،وجرى الاتفاق على شروط الصلح مع الحكومة ، حيث وقع الشيخ الحفيد اتفاقاً مع الحكومة العراقية ،في حزيران ١٩٢٧،تعهد بموجبه أن يعيش هو وأفراد عائلته خارج العراق،مع إعادة كافة أملاكه له،وتعين وكيل من قبله لإدارة شؤون أملاكه،وهكذا استمرت الأوضاع هادئة في كردستان حتى عام ١٩٣٠،عندما حاولت بريطانيا فرض معاهدة ٣٠ حزيران على العراق ،وحدوث تحرك شعبي واسع شمل كافة أنحاء العراق ضد تلك المعاهدة التي كرست الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق ،وقد وجد الشيخ محمود الحفيد الفرصة المناسبة للتحرك ،واندلعت الثورة الكردية من جديد .

*ثالثاً: الشيخ محمود يعاود الثورة ضد الحكومة

عندما وقّعت حكومة نوري السعيد معاهدة ٣٠ حزيران ١٩٣٠ مع بريطانيا,وتبين للشعب الكردي أن بريطانيا قد تنكرت لحقوقه القومية المشروعة ،وتجاهلت معاهدة سيفر، اندلعت حركة احتجاجات واسعة في السليمانية ، وانتشرت المظاهرات في كل مكان مستنكرة موقف حكومة نوري السعيد وبريطانيا، وقد تصدت قوات الشرطة والجيش للمتظاهرين حيث وقعت مصادمات عنيفة بين الجانبين أدت إلى استشهاد ٤٥ ، وجرح أكثر من ٢٠٠ من المتظاهرين . كما جرى اعتقال أعداد كبيرة من المتظاهرين ، وعدد من الشخصيات الكردية المعروفة كان بينهم كل من :

١- الشيخ قادر الحفيد ـ شقيق الشيخ محمود.
٢- ميرزا توفيق
٣- رمزي أفندي
٤- حمه أغا
٥- عزمي بيك بابان
٦- عزت بيك عثمان
٧- عبد الرحمن أغا عثمان باشا
٨- محمد صالح بيك
٩- مجيد أفندي كاي سكان
١٠- فائق بيك بابان
١١- شيخ محمد كلاي  (٧)

كان الشيخ محمود الحفيد آنذاك يعيش في قرية [ بيران ] في إيران مبعداً عن السليمانية بعد أن استطاعت قوات الحكومة وبمساعدة القوات البريطانية قمع الثورة الأولى التي قادها وأجبرته على مغادرة العراق .

وفي ظل تلك الأحوال التي سادت السليمانية شعر الحفيد أن الظروف قد أصبحت مواتية له لكي يعاود الثورة من جديد حيث تحرك عبر الحدود نحو السليمانية مع عدد كبير من أتباعه المسلحين وأخذ يستجمع المسلحين من أتباعه داخل العراق ،كما انظم إليه ثلاثة من الضباط الأكراد وهم الملازم الأول [ محمد جودت ] والملازم [حميد جودت ] والملازم [ كامل حسن ] .

واستطاعت قوات الحفيد احتلال منطقة [شهر بازار ]،وبعث بمذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يطالبه بإنشاء دولة كردية في منطقة كردستان تمتد من زاخو وحتى خانقين.  (٨)

*رابعاً:الحكومة تقمع ثورة الحفيد بمشاركة القوات البريطانية

أنذرت الحكومة العراقية الشيخ الحفيد بوجوب مغادرة العراق ،وسحب عناصره المسلحة ، والعودة إلى إيران والتمسك بالتعهد حسب الاتفاق المعقود مع الحكومة على أثر انتهاء الثورة الأولى والا فإن الحكومة ستتخذ الإجراءات العسكرية اللازمة ضده.  (٩)

لكن الشيخ الحفيد تجاهل الإنذار ،ومضى في توسيع منطقة سيطرته على مناطق واسعة من كردستان ، مما دفع الحكومة إلى الطلب من المندوب السامي أن يوعز للقوة الجوية البريطانية للتهؤ لمهاجمة الثوار في منطقة بنجوين .  (١٠)

وفي الوقت نفسه قامت الحكومة بتجريد حملة عسكرية كبيرة ضمت رتلين عسكريين،توجه الرتل الأول نحو[جوارته] فيما توجه الرتل الثاني نحو[بنجوين]،و شاركت الطائرات البريطانية في التصدي لحركة الشيخ الحفيد حيث دارت بين الطرفين معارك دامية استمرت زهاء ستة اشهر تكبد خلالها الطرفان خسائر كبيرة .

لكن قوات الحكومة استطاعت في النهاية فرض سيطرتها على مناطق كردستان ،واختفى الشيخ محمود الحفيد عن أنظار قوات الحكومة لفترة من الزمن، ثم اضطر في نهاية الأمر إلى تسليم نفسه للجيش ، في ١٣ أيار ١٩٣١ ، وتم إبعاده إلى مدينة السماوة ،ثم نقل إلى مدينة الناصرية ، وأخيراً تم نقله إلى قصبة عانه ،ثم سمحت له الحكومة بالإقامة في بغداد وقررت مصادرة كافة أملاكه في السليمانية .وهكذا أسدل الستار على الثورة الكردية ولكن إلى حين ، فقد أخذ جنين الثورة ينمو من جديد في رحم كردستان انتظاراً لليوم الموعود كما سنرى في فيما بعد .  (١١)


توثيق
-----------------------------------------------

(١) المشكلة الكردية ـ الدكتور حامد محمود عيسى ـ ص ٢٠٧ .
(٢) الكرد و كردستان في الوثائق البريطانية ـ ص ١٦١ .
(٣) المصدر السابق ـ ص ١٦٥ .
(٤) تاريخ الوزارات العراقية ـ عبد الرزاق الحسني ـ الجزء الأول ـ ص ٢٧٣
(٥) نفس المصدر السابق ـ ص ٢٧٥ .
(٦) الكرد وكردستان في الوثائق البريطانية ـ ص ١٩٧ .
(٧) تاريخ الوزارات العراقية ـ عبد الرزاق الحسني ـ الجزء الثالث ـ ص ٦٩ .
(٨) اليوبيل الفضي للجيش العراقي ـ ص ٢٠٣ .
(٩) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء الثالث ـ ص ١٢٨ .
(١٠) المصدر السابق ـ ص ١٢٩ .
(١١) نفس المصدر ـ ص ١٣١.