bahoz_k@yahoo.com

ممثلة كردية تحلم وتعمل لتكون نيكول كيدمان الشرق

بلجيم بلجين
مخرج فيلم « كيلومتر زيرو »:
في المساحات البيضاء المغطاة بالثلوج كان لباس أمي أسود والحزن كذلك



لندن: محمد الشافعي
٢٤ / ١٠ / ٢٠٠٥


الممثلة الكردية بلجيم بلجين بطلة فيلم «الكيلومتر زيرو» ربما هي الاشهر اليوم في سينما كردستان العراق. تتحدث بطلاقة التركية والانجليزية، اضافة الى الكردية، وهي من مواليد تركيا. وتحمل الممثلة الشابة الكثير من الاحلام الوردية رغم حداثة تجربتها خلف كاميرات السينما. وتعتبر الممثلة الحسناء نفسها محظوظة لان اول افلامها ثبت اسمها على طريق المهرجانات العالمية. تشاهد بلجيم يوميا نحو اربعة افلام عالمية لتتعرف على التكنيك الجديد في مدارس التمثيل. وتقول انها تخطت مرحلة السينما التركية، رغم انها ما زالت مرتبطة بحب لا ينتهي لنجمها المفضل الذي تربت على ألحانه وغنائه، ابراهيم تاتليس، وتقول انها ما زالت تشعر بحنين كلما شاهدت افلاما تركية لتوراكان شراك ويلماز اردوغان وهويلا افشار. وتعتبر الفنانة بلجيم ان خطط انشاء استديوهات كبيرة في كردستان ستفسح المجال امام جيل جديد من الوجوه الشابة الكردية. اما اليوم فتأمل ان تكون «نيكول كيدمان الشرق» التي تعتقد انها تسير على خطاها وتتابع افلامها واحدا بعد الاخر. «الشرق الاوسط» التقت الممثلة بلجيم بلجين مع اثنين من المخرجين الاكراد في فندق شيراتون اربيل. تحدثوا عن النهضة السينمائية في كردستان.

وتحدث المخرجان هونر سليم (كردي عراقي) وبهمن قوبادي (كردي ايراني) عن افلامهما. وتقول بلجيم بلجين ان في فيلم «الكيلومتر زيرو» يبدو كأنه مذكرة تفسيرية لأسباب كراهية أكراد العراق لعصر صدام وترحيبهم بدخول أميركا للعراق لتحريره كما يرون، فيما يوضح المخرج هونر سليم أسبابه وأسباب الكرد لكراهية صدام ونظامه، كما عبر عنها في فيلمه الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السابق. وتدور أحداث فيلم «الكيلومتر زيرو» الذي أسندت البطولة فيه إلى الفنانة بلجيم بلجين، والممثل نظمي كيريك، في كردستان العراق خلال فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية في عقد الثمانينات. ويروي الفيلم قصة شاب كردي يجبر على دخول الجيش ويرسل إلى الجبهة في المرحلة التي سبقت نهاية تلك الحرب. وحين يكلف الشاب الكردي آكو بمرافقة جثمان احد الجنود القتلى، والعودة به إلى أهله مع إذن بعبور ما يزيد على ٧٠٠ كيلومتر، يكون عليه ان يصاحب سائقاً عربياً لساعات طويلة على طرق العراق وبين الجبال في منطقة كردستان.

وفيلم هونر سليم، يذكرنا كثيرا بفيلم (قندهار) للمخرج الإيرانى محسن مخملباف الذي فاز بإحدى جوائز مهرجان كان عام ٢٠٠١. فالفيلم كان يرحب بتدخل الغرب في حل مشكلات الشرق في أفغانستان. رحلة حافلة بالأمل والخيبة للمخرج الكردي هونر سليم حقق خلالها أفلاماً عدة نالت استحسان النقاد ورضا الجمهور، فأنجز منذ مطلع التسعينات أربعة أفلام هي، إضافة إلى «الكيلومتر زيرو»، «فودكا ليمون» و«ما وراء الأحلام»، و«كباب كونيكشن»، وحصل على جوائز عالمية عدة عن أفلامه، كما صدرت له عدة مؤلفات، من أهمها «بندقية أبي» التي يروي فيها حكاياته مع بندقية أبيه والجبال وقصص الحب الفاشلة والأبجدية والأسماء والصور. سيرة نموذجية لطفل كردي «وجد نفسه في ظلام قاتم وحزين في الغرف الطينية الفقيرة المظلمة الواطئة وسط طبيعة كردستان وجبالها الخلابة التي لا تمنح لساكنيها سوى الألم والانتظار». ويضيف «في تلك المساحات البيضاء المغطاة بالثلوج التي كانت تغطي كل شيء، كان لباس أمي اسود، وكان الحزن اسود». فيلم «كيلومتر زيرو» للمخرج هونر سليم (من مواليد عقرة ١٩٦٤) كانت المشاركة الاولى له في مسابقة مهرجان كان في مايو( ايار) الماضي، بفيلم. وتلمع عيناه وهو يتحدث عن منازل عقرة المعلقة في الجبال وطفولته هناك. عاش سليم بين كردستان والعراق وايطاليا وفرنسا. ويقول عن السينما التي يصنعها : «اعتقد ان السينما التي اصنع نابعة من إحساسي بأن ما يربطني بالأرض هو فقط حذائي، عدم الاستقرار والمنفى، وبمحاذاتهما السينما، هي مكونات حياتي».

ويوضح سليم لـ«الشرق الاوسط» انه مملوء بالتفاؤل بأيام مقبلة افضل في كرستان لجهة صناعة السينما، وهو يعرف انه من البديهيات «انه لم يكن متفائلا لقتل نفسه». وتشترك الأفلام الكردية في تركيز مضامينها على التوجّه نحو الإنسان البسيط الذي لا يستطيع تقرير قدره بنفسه. ويجد المخرجون الأكراد مواضيع أفلامهم، سواء كانوا في المنفى أو في تركيا أو في العراق، عبر التفاعل مع الحياة اليومية الخانقة لأبناء شعبهم. ويضيف سليم «تعرّفت إلى التلفزيون للمرة الأولى الذي كان خالي قد اشتراه في أوائل السبعينات. كانت كل الصور المبثوثة تمجيداً لصدام حسين الرئيس المخلوع وقبله أحمد حسن البكر وأغاني تمجد القومية العربية. عندما انتهت صدمة الصورة الأولى، صرت أسأل نفسي: لماذا هذا الجهاز يتكلم العربية فقط بينما أنا في كردستان».

ويوضح :« لقد تسبب هذا السؤال بفتح جرح عميق». وتختصر كلمات المخرج الكردي الشاب دهرا طويلا من معاناة الاكراد. يقول سليم «ذاكرتي الكردية بيضاء». تكاد هذه الجملة الموجزة أن تختزل تاريخاً من الظلم، والقمع، والاضطهاد، عانى من قسوته سليم الذي وجد نفسه في قرية عقرة بقضاء دهوك ابناً لثقافة كردية محاصرة، مهمشة، منسية ـ كما يقول ـ لكنه منذ ان غادر بلدته في السابعة عشرة من العمر باتجاه العاصمة الفرنسية باريس كان يعرف انه سيكون له شأن ما في تاريخ السينما الكردية. وكذلك يتأثر سليم ايضا بأجواء صديقه المخرج قوبادي وان كانت افلام هذا الاخير تتسم بالبعد الاجتماعي فيما تتخذ افلام سليم منحى سياسيا اكثر. والاثنان من ابناء تلك المنطقة الكردية على الحدود بين العراق وايران. ويحاول سليم الذي يعيش في باريس منذ الثمانينات اعادة خلق الاجواء التي عاشها، حيث يصور الفيلم الطبيعة في جبال كردستان بشكل جميل وشاعري ويلتقط هدوء الحياة التي لا يعكرها سوى هدير الطائرات العابرة، ومن أكثر المشاهد تعبيرا لفيلم «كيلومتر زيرو» مشهد سيارات الجيب التي تسير وراء بعضها مع حلول المساء لتعود بكل تلك الأجساد المسجاة داخل توابيت ملفوفة بالعلم العراقي الى ذويها. وقد استند سليم في السيناريو الى قصة شقيقه الذي ارسل الى الجبهة لينسج من حولها احداث الفيلم الذي يحتوي على قدر كبير من المشاعر القوية والعنيفة في آن. ويؤدي دور آكو الممثل المسرحي العراقي آكو نظمي كيريك، فيما تؤدي دور زوجته بلجيم بلجين التي ولدت في انقرة. ويقول بطل الفيلم «ماضينا حزين وحاضرنا تراجيدي ولكن من حظنا ليس لدينا مستقبل».. وربما جاء اختيار الفيلم لمهرجان كان بسبب ألوانه السياسية لانه يعود للقضية التي يتناولها الفيلم والتي تدعو من طرف خفي وتدافع عن دولة واحدة للأكراد (كردستان). الفيلم يعود بنا الى الثمانينات من خلال (فلاش باك)، حيث يعيش الشاب الكردي آكو مع طفله وزوجته ووالدها، ويعاني آكو من اضطهاد الحكم له كأي كردي آخر، حيث تقتحم قوات الجيش منطقته وتقوم بإذلاله وقتل من لا يروق لها بشبهة انتمائه للمناضلين الأكراد ـ التسمية من الفيلم ـ يزداد حصار آكو وأمام عدم تمكنه من الهجرة، بسبب تمسك زوجته بالبقاء بجوار والدها العجوز المقعد، لا يجد أمامه سوى احد حلين إما الانتماء للمناضلين الأكراد أو للجيش العراقي، ويختار آكو التجنيد في الجيش العراقي، لكنه رغم ذلك لا يأمن المكر في الجيش، حيث يعرض الفيلم أساليب إذلال القادة للجنود الأكراد.

ووسط شعور آكو بالقهر، يكلف بمرافقة جثة أحد الجنود القتلى حتى منزله. ولأن آكو يشعر بعدم جدوى حربه ضد إيران وأولوية موته إلى جوار الأكراد في حربهم ضد حكم صدام، يقرر أن يهرب خلال تأديته لهذه المهمة. ويدور معظم الفيلم خلال رحلة آكو والجثة والسائق العربى في الطريق الى منزل الجندي القتيل لتسليم الجثة، حيث نشاهد العلاقة التقليدية بين العربي والكردي في «عراق صدام حسين»، فالسائق العربى لا يخفي تعاطفه مع الجندي الكردي، لكنه أيضا يكن له الاحتقار الذي تعلمه منذ الصغر. وعلى الجانب الآخر يشعر الكردي بالخوف والاحتقار والكراهية والرغبة في الانتقام الممزوجين ببعض التعاطف والحب تجاه السائق العربي. اما المخرج قوبادي صاحب فيلم «السلاحف يمكن أن تطير»، فهو قليل الحديث ويتركه لزميله هونر سليم ويقول انه صاحب اول فيلم يُصوَّر في العراق بعد سقوط صدام حسين. وهو يروي قصة مؤثرة عن الأطفال الأيتام الذين يعملون كباحثين عن الألغام. وكان له فيلم سابق هو «وقت للخيول المخمورة» الذي يتناول موضوع الظروف المعيشية للأطفال والشبيبة في المناطق الحدودية بين إيران والعراق أيضا. يقول قوبادي «على المرء في كردستان أن يكون بالغاً منذ لحظة ولادته». من جانب آخر، نجد ان ما يُميّز الكثير من الأفلام الكردية هي طريقة السرد التي يفرضها الظرف حسب تعبير باهمان قوبادي: «أعرض ما يثقل على الصدور، الأمر الذي يضطرني لتهوينه بالكثير من الفكاهة».

المصدر : جريدة الشرق الأوسط